د. شروق الفواز
لطالما كانت معايير الزواج السعودية أو الخليجية بشكل عام باعتبارها مجتمعات قبلية تخضع للقوانين نفسها في مجملها، مثار تساؤل لدى الكثيرين في جدواها ومدى تأثيرها على فرص نجاح الزواج أو فشله، بل ولدى السعوديين أنفسهم.
وبالرغم من أن المجتمع السعودي هو مجتمع اسلامي إلا أن بعض معاييره في الزواج تحديدا ليست كذلك . فهي معايير بعضها قبلية تخضع للتصنيف القبلي أو الطبقات الاجتماعية في المقام الأول، كما أنها ترضخ للقوانين الأخرى التابعة لها والتي تجعل من اختيار الزوجة أو الزوج قرارا جماعيا في المقام الأول أكثر منه اختيارا شخصيا.
فالرجل السعودي يتقدم للفتاة بناء على معايير قبيلته أولا ثم اختيارات وترشيحات أهله إلا من بعض الحالات التي لا تنطبق على السواد الأعضم من المجتمع. والفتاة كذلك فقبولها لأي متقدم يبنى في الأساس على رأي والدها واخوتها ضمن المعايير القبلية ذاتها ومن النادر جدا أن يتقدم رأيها أو اختيارها على رأيهم.
هذه البروتكولات الثابتة في مشاريع الزواج كان لها أثر كبير في تشكيل المجتمع وخلق مشكلاته والتي من أبرزها الطلاق والعنوسة لدى النساء والرجال أيضا. كما أنها ساهمت أيضا في ابتداع منافذ للتحايل والخروج من هذا الطوق القبلي المحكم من خلال العلاقات المشبوهة بعد الزواج أو تلك التي أوجد لها مخرج شرعي مثل زواج المسيار.
لكنها في معظمها تشير إلى وجود خلل ورقع آخذة في الاتساع في تكويننا المجتمعي الذي ينمو ويكبر كمجتمع مدني كبير جدا إلا أنه لا يزال يراهن على قوانين القرية بمجتمعها المحدود الذي يعرف الناس فيه بعضهم البعض كما الأهل ويدينون له بالولاء في السر والعلن.
إلا أن ما يحدث الآن مع نمو المجتمع واتساعه يكمن في صعوبة تطبيق معايير الزواج السابقة . فالمرأة قد يتقدم لها رجل مكافئ في المعايير المتعارف عليها لكنه ليس بالضرورة مكافئ في المعايير الأخرى الأخلاقية والدينية والثقافية والرجل كذلك فهو قد يتقدم لخطبة فتاة يجهلها تماما ولايعرف عنها الا أنها مكافئة له في النسب أو مقبولة في عرف القبيلة.
لذا عندما كان الرجل قديما يوصف بالكفو فإنه كان معلوما لدى مجتمعه الصغير وليس بحاجة للسؤال عنه، وكذلك المرأة.
أما الآن أصبح من الصعب تقييم الصفات المطلوبة في كلا الطرفين،خصوصا في مجتمع ضبابي مثل مجتمعنا يمارس أفراده أمورا في السر يؤمنون بها أو يقتنعون بها ولا يمارسونها في العلن لمجرد أن مجتمعهم لا يسمح بذلك.
لذا لم يستغرب الكثيرون منا النتائج التي أعلنتها وزارة الصحة في تقريرها عن فحص ما قبل الزواج واكتشافها ل 22حالة ايدز (نقص المناعة المكتسب) في المتقدمين للزواج في الأشهر الأولى من تطبيقها لها. لأننا نعرف يقينا كمجتمع، المعايير التي تبنى عليها قرارات الزواج لدينا. فالرجل (الكفو) أو المرأة في المعايير ليس بالضرورة أن يكون كفؤا أو مناسبا أخلاقيا ودينيا. ولعل تطبيق هذا النظام قد ينقذ الأجيال المقبلة من الوقوع ضحايا للأمراض المهلكة الجنسية أو الوراثية نتيجة معاييرنا في الزواج، لكنه حتما لن ينقذهم من المشكلات والمصائب الأخرى التي قد يجرها الزواج غير المتكافئ أخلاقيا وثقافيا حتى ولو باركه جميع أفراد.