بحث



الجمعه 16 جمادى الآخر 1429هـ -20 يونيو2008م - العدد 14606

عودة الى الأخــيــرة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


بالفصيح
شهادة الحمير مرة أخرى

عبدالله الناصر
    كنا جلوساً نشاهد مقابلة مع أحد مدعي الثقافة، وكانت المقابلة إحدى عجائب مهازلنا الثقافية المزرية..

بل كانت شهادة فاضحة ووثيقة عصرية على حالة التفسخ الثقافي.. قال صديقي: ألا تكتب عن هذه الشهادة قلت: سبق أن كتبت.. قال: أعد. قلت: أفعل إن شاء الله.. فإلى الصديق وإليكم ما قد كنت كتبت:

يروى أنه في العصر العباسي كان أحد المّجان بمكة يجتمع إليه قوم يسهرون ويمجنون، فاشتكاه بعضهم إلى الوالي فأحضره وأنّبه، ومنع الناس من دخول بيته. وبعد حين انتقل إلى خارج مكة ونصب خيامه وعاد إلى مجونه، وأخبر زبائنه المّجان بذلك. فعاد الشبان والمّجان يأتون إليه في مكانه الجديد.

ثم وصل أمره إلى الوالي فأحاله على القضاء لإقامة الحد عليه، وعندما مثل أمام القاضي أنكر التهمة واعتبر أن الذين وشوا به وأبلغوا عنه كاذبون وأنه لا حجة ولا شهادة لديهم تدينه..

فقدم الذين أقاموا دعواهم للقاضي اقتراحاً وهو أن تؤخذ حمير مجّان مكة في الليل، وتطلق، ثم تتم متابعتها وينظر إلى أين تذهب، فإن ذهبت وحدها للمكان فقد قامت عليه الحجة..

وفعلاً وافق القاضي وأطلقت حمير المجّان فذهبت إلى مكان الرجل خارج مكة من تلقائها، وثبتت عليه الحجة وصدر حكم بإقامة الحد عليه.. وجيء به أمام القاضي وصار رجال الشرطة يضربونه وهو يضحك ! فتعجب القاضي من ضحكه وسأل عن السبب؟ فقال: ما أضحك والله من الجلد، قالوا ممن إذن؟ قال: من خبثاء العراق غداً حين يقولون إن قاضي مكة أخذ بشهادة الحمير.!!فضحك القاضي وأمر بإطلاقه، وقال: احفظها ولا يسمعها أحد.

أتذكر هذه الحكاية دائماً عندما أستمع إلى حوارات تجريها بعض القنوات الفضائية مع بعض مدعي الثقافة في قضايا سياسية معقدة، أو فكرية عميقة الجذور متشعبة الأبعاد، أو في قضايا ثقافية تتعلق بأدب الأمة وموروثها ومستقبل هذا الأدب.. وهذا هو محور هذا الحديث.

حيث يذهب هؤلاء ينعقون، ويتخبطون، ويحولون الحوار إلى صورة عارية ومزرية للجهل، والأمية. فلا لغة، ولا أدب، ولا ثقافة ومع هذا يستضافون، وتؤخذ شهاداتهم حول واقع الأمة الثقافي، وآراؤهم حول تطوير الأدب والثقافة والارتقاء بها. فمرة سمعت أحدهم يقرأ قصيدة لشاعر مشهور من ورقة أمامه وإذا به يحرِّف في الكلمات لأنه لا يجيد نطقها ولا يحسن مخارج حروفها..ثم أخذ يتحدث عن القصيدة التي لم يحسن إلقاءها، ويفسرها تفسيراً مشوهاً وقاصراً.

بل قد نجد من بين هؤلاء من يشتم المتنبي ويشكك في عقل أبي العلاء، ويرمي الجاحظ بأشنع التهم، بل نجد أنهم يتهمون تراثنا الثقافي والأدبي عامة بأنه تراث قبلي ساذج، لا علاقة له بالهموم والقيم الإنسانية، وأنه ناقص الحكمة والتجربة الثرية !! وهم بكل تأكيد لم يقرأوا من ذلك كله سوى محفوظاتهم المدرسية التي لا تتجاوز درجة المقبول، ولكي نكون أكثر أمانة فقد يكون البعض منهم قد قرأ تغريبة بني هلال أو قصة الملك سيف بن ذي يزن.

وأكثر مافي المسألة هزلاً وهزالاً أن هؤلاء ينصّبون أنفسهم أمناء للنقد الثقافي وتقويمه، وأوصياء بل وحراساً لثقافة الأمة من عاديات الضعف والهبوط. بينما واحدهم لا يجيد إقامة بيت من الشعر، ولا يجيد التحدث أو كتابة سطرين من غير لحن، أوخطل.

أمام هؤلاء ينتابني شعور مؤلم بأن الأمة حتى بمثقفيها قد انحدرت بأدبها الرصين، وجرتها الثقافة الأمية أو ما يسمى بالأدب الشعبي إلى قاع الجهالة.. هذا الأدب الذي استشرى كالوباء واختلط فيه الرعاع والرقعاء، وصاروا يقودون أدبنا في المحافل الأدبية بهذه الثقافة البدائية المزرية التي لا تليق إلا بالتخلف والانحطاط. وكأنها هي الثقافة العليا التي تمثلنا أصدق تمثيل..

وكنت في كل مرة أشاهد هذا كله، أضع يدي على قلبي حسرة وألماً، وأقول: ما أشد خجلنا أمام الناس والتاريخ حين يكون هؤلاء وأضرابهم هم شهود نهضتنا الثقافية! وأتذكر ذلك الفاسق الماجن الذي قال للقاضي وهو تحت الضرب:

أخشى أن يفضحنا الناس لأننا نأخذ بشهادة الحمير.

47 تعليق
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


أخى الاستاذ الفاضل عبدالله الناصر
تحية واحترام
وبعد رائع جداايها المبدع فى رسم الصور القاتمة الواقعية لبعض فقهاء الثقافة
انها صور مؤ لمة ومتعبة اتباع بعض هؤلاء وسائل الهدم وبخس الناس اشيائهم
انها مشكلة لقصص تحكى انهزامية مثقفى النخبة كما يدعون يا استاذ عبدالله
ان التسول الثقافى لبعض هؤلاء جعل العلا قة مبنية على الخلاف والاختلاف لما
هو سليم
لتاريخ الفكر حيث نرصد كلام لا يتفق وروح النقد الثقافى
أحسنت يا استاذ عبدالله الناصر فى هذة التداخلات الدبية
تحياتى


أحمد مجلي
ابلاغ
05:47 صباحاً 2008/06/20

 


لله درك ما أجمل ما كتبت وأضم صوتي لصوتك وأضعي يدي على قلبي حسرة وألماً معك يا دكتور عبد الله لحال أمتنا العظيمة هذة الأيام من الضعف والمهانة والمذلة.


م. سعود العتيبي
ابلاغ
06:04 صباحاً 2008/06/20

 


مقال جميل ومغزى واضح ومفيد. ويبدو من القصة التي أوردتها عن الحمير انها لا تنحرف ولا تزاور عن الحقيقة، أما كتاب اليوم وأهل ثقافة العصر لا يعرفون للحقيقة واقعا ولا مسار واحدا بل تراهم يذهبون يمينا وشمالا فيستكتبون من هنا ومن هناك ويستثمرون فكرهم في دنانير تتناثر امام اعينهم لاضاعة الحق. فيبدو لي والله اعلم ان شهادة الحمير في العصر العباسي اكثر مصداقية من شهادة هؤلاء على عصرهم.


عبد القادر
ابلاغ
06:09 صباحاً 2008/06/20

 


جمعة مباركة
عبدالله الناصر أنت مبدع لله درك
وتشبيه موفق!!
آه ليت كل كتابنا (شجعان) زيك.
"الأدب الذي استشرى كالوباء واختلط فيه الرعاع والرقعاء" لا فض فوك ايوالله.
والمشكلة ان هذا النوع من الأدب الأمي طغى على الأدب العربي الحقيقي بفضل قنوات التسطيح التي ليس لها هم سوى استغلال السذج وسلب مافي جيوبهم من بقايا الأقساط ناهيك عن اثارة النعرات أو ما يسمى الفزعة.
جميع شعراء هذا النوع لا يستطيع واحدا منهم اعراب جملة وربما لايعرف كم عدد حروف الجر ويعتبر أديب ومثقف.
يا امة ضحكت من جهلها الامم


بدوي في أكسفورد
ابلاغ
08:45 صباحاً 2008/06/20

 


الأخ عبداله الناصر صباح الخير
يبدو أن شهادة الحمير في هذه الأيام هي السائدة.. فلا عجب
لو نظرت حولك لرأيت كل من يقول نعم عطال بطال هو المتميز
هل يستطيع الحمار أن يقول لا.. طبعا لا.. لذلك هو المفضل عند الكثيرين من الذين يدعون الثقافة والعلم والمعرفة وهم فقط أصحاب الذكاء الخارق
لذا يا سيدي اليوم الحمار أشد احتراما عند البعض وهو الباقي في مكانه راوح
فلا عجب بعد اليوم
صباحك ورد وفل


Hanin
ابلاغ
09:07 صباحاً 2008/06/20

 


طرح رائع
بارك الله فيك


خالد
ابلاغ
09:36 صباحاً 2008/06/20

 


وفقك الله وأنت شاهد على النصر ( نصر ثقافتنا على المتلقفين)


حرقان بن شويه
ابلاغ
09:37 صباحاً 2008/06/20

 


من النادر جدا ظهور المثقفين الكبار في اللقاءات التلفزيونيه وهذه عادة الكبار والقنوات كما هو ملاحظ كثيره جدا ومطلوب منها البث طوال الأربع والعشرين ساعه ولا بد لكل قناه أن تتحفنا بأشكال وأنواع مدعي الثقافه.


بطل
ابلاغ
10:10 صباحاً 2008/06/20

 


اصبت فأوجعت يااخ عبد الله ولكن العتب على من يستضيفهم هل اشتاق للنهيق ام نسى لغته الأم ام العتب على الأذن التي تسمع اذا كانت اغنيه بحبك ياحمار وشعاد نرجي نفخ فى قربه مشقوقه هاذا الحال الأيام ذي.؟


ابو اليل.؟
ابلاغ
10:24 صباحاً 2008/06/20

 10 


لا فض فوك ياأستاذ عبدالله.
أعجبني أحد الشعراء النبطيين عندما سئل بقناة شعرية عن رأيه بالشعر والشعراء. قال ليس أنا من يبدي برايه او يدلي بدلوه في هذا المكان وبهذا الشأن..أسألوا أهل التخصص.
فلم يزده جوابه إلا رفعة ومكانة.


هناء
ابلاغ
10:26 صباحاً 2008/06/20

 11 


بسم الله الرحمن الرحيم
*** أجل ما أكثر أوجاعنا أخي عبدالله على جميع الصّعد، وفي مختلف المجالات... لكن ما العمل ؟... ونحن نرى في أيّ مكان التمكين للعملة المزيفة.. وابعاد أو طرد.. أو تهميش العملة الأصيلة ؟... لكن أوافقك على أن الألم في المجال الثقافي أشد وقعاً ولسعاً... ولو سلمت الجبهة الثقافية لتحقق خير كثير في المجالات الأخرى.. تحياتي لك موصولة ******]
ابراهيم نويري /ولاية تبسة / أقصى الشرق الجزائري.


ابراهيم نويري
ابلاغ
10:45 صباحاً 2008/06/20

 12 


السلام عليكم...
استاذ عبدالله لم استطع أن الصنفك
مرة اقول أنك قومي التوجه و مره اقول انك اسلامي و مره
اقول انك و طني احترت...! لكن الذي استطعت أن اتوصل اليه
بأنك ابن هذه الآمه لم تشرق و لم تغرب اشعر بأنك تكتب لي
لكي أقراء أنا لا لكي يقراء غيري... غير ذلك أنت تكتب بلغه
سحريه رائعه تتلعب با الألفاظ تروض الغه بقلمك الجميل اتمنى
ان تكون لك إستراحة محارب فتره من الوقت و تكتب عن الحب
عن الطبيعه فا أنت فارس امتطي بنا صهوة الغه و نطلق بنا الى
عالم الخيال و الجنون.
تحياتي لك و شكرآ.


عادل السليمان
ابلاغ
11:05 صباحاً 2008/06/20

 13 


أمام هؤلاء ينتابني شعور مؤلم بأن الأمة حتى بمثقفيها قد انحدرت بأدبها الرصين، وجرتها الثقافة الأمية أو ما يسمى بالأدب الشعبي إلى قاع الجهالة.. هذا الأدب الذي استشرى كالوباء واختلط فيه الرعاع والرقعاء، وصاروا يقودون أدبنا في المحافل الأدبية بهذه الثقافة البدائية المزرية التي لا تليق إلا بالتخلف والانحطاط. وكأنها هي الثقافة العليا التي تمثلنا أصدق تمثيل..


خليل حمود
ابلاغ
11:25 صباحاً 2008/06/20

 14 


مقال خطير وفي نفس الوقت رائع وفيه من الغيره الكثير على ثقافتنا أمام الناس وقيل ذلك أمام أنفسنا. فشكرا لك


مراقب حذر
ابلاغ
11:51 صباحاً 2008/06/20

 15 


أخشى أن يفضحنا الناس لأننا نأخذ بشهادة الحمير
بالفعل.. كنا نخشى
والآن بات لنا أن نصاب بالرهبه والرُعب مِنهم
رائعه من روائعك يا / عبدالله


كشكول
ابلاغ
11:57 صباحاً 2008/06/20

 16 


خرج تأثير التعليم. لااحد يتكلم لأن الحقية هنا وعند واحد فقط! سب وتسفيه من الآخرين ثم ماذا؟ فقه وادب بدوي يقود الناس الى الهاوية؟


fwz
ابلاغ
12:48 مساءً 2008/06/20

 17 


(يقال إن عالماً من علماء العرب اقترف ذنباً، فعلم به سليمان الحكيم طلبه للمحاكمة، وبعد نقاش طويل لفظ حكمه قائلاً: "سنحكم عليك حكماً أقوى من الموت". فأطرق العالم رأسه وتملكه العجب وسأل سليمان: "ما هو؟"، فأجاب الحكيم: "حكمنا عليك أن تقيم بين قوم يجهلون قدرك")
يااباعبدالعزيز هون عليك لم يمضى لوجودك معنا سوى سنه فقط بع رجوعك من خدمة الوطن ل27سنه في (بريطانيا)اننا نعيش هذا الحكم اكثر من عشر سنوات، الصبر وسترى عجب العجاب. هذا وقت الغوغائيين والدجالين والسحره والمشعوذين، وقت تحطيم المثل العليا والاخلاق


أبو عبدالرحمن الشافعي
ابلاغ
12:49 مساءً 2008/06/20

 18 


(..أمام هؤلاء ينتابني شعور مؤلم بأن الأمة حتى بمثقفيها قد انحدرت بأدبها الرصين، وجرتها الثقافة الأمية أو ما يسمى بالأدب الشعبي إلى قاع الجهالة..)
كلام جداَ صحيح..
سلمت أستاذتي على المقال الرائع..!!


أم فهد
ابلاغ
01:00 مساءً 2008/06/20

 19 


الأستاذ عبد الله الناصر مقال جدا روعة
شكرا لك على هذا التميز


سعود بن عبد العزيز
ابلاغ
01:00 مساءً 2008/06/20

 20 


شكراً جزيلاً لك أستاذ الناصر...
ونحن من محبي كلماتك وأدبك الجم وفكركم المشرق على الدوام..
القرئة آمال مطروح الجزائر


ابراهيم نويري
ابلاغ
01:06 مساءً 2008/06/20



  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الأخــيــرة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية