الملك عبدالله ظاهرة جديدة في نسيج العلاقات الدولية، إذ حتى عندما يخوض في السياسة في المواقع الحرجة، لا يذهب بمبدأ الميكافيلية الحديثة، وإنما بدفء العواطف، وصدق الموقف، ولذلك نراه في كل زيارة لدولة عظمى، أو متوسطة، أو صغيرة، يكسر زعماؤها "البروتوكول" الخاص في استقباله وتوديعه، وهي صورة لا دخل فيها للغنى، أو الفقر، وإنما للاعتدال وصدق النوايا، وهذا الاحساس المتبادل مع تلك الدول، فرض على مراكز مرموقة إعلامياً وأكاديمياً، ومراكز بحوث في العلاقات الدولية أن يأتي تصنيفه واحداً من أهم الشخصيات العالمية المعاصرة..
وإذا كان ترتيبه بين زعماء الشرق الأوسط الذي جاء الأول حسب استطلاع مركز "وورلد بابلك اوبنيون" في برنامج المواقف السياسية الدولية بجامعة "ميريلاند" الأمريكية، فإن هذا التصنيف سبق أن ماثله من مواقع مرموقة عالمية أن وضعت الملك عبدالله في نفس الخانة، وهذا التميز يعطي الدلالة الصحيحة أنه في تأكيده على بناء هيكل تنموي داخلي يضع المملكة على مشارف القرن في المنطقة كلها، لم يبعده بأن يأخذ نفس الاتجاه عربياً وإقليمياً في صياغة مشاريع سلام دائم يحتكم إلى التعامل الطبيعي والتماثل بالحقوق والواجبات، رافضاً أساليب العنف أو النزوع إلى القوة، ولعل اكتسابه هذه المراكز المتقدمة إقليمياً وعربياً، لم يأت عبثاً عندما نجد العالم الذي يراقب ويدقق ويفرز الشخصيات والدول أن أخذ خادم الحرمين الشريفين الموقع الصحيح بين زعامات العصر، وما يبعدها عن أي هوى حياديتها وبحثها عن الحقيقة من خلال سلسلة طويلة من الاختبارات والخيارات التي تقوّم من عناصر خارج دوائر التحيز السياسي، أو التفرقة بين الشعوب والأقاليم لأي سبب عرقي أو ديني..
ثم إن الملك عبدالله لم يذهب لتلك الدوائر أو الجامعات التي أعطته هذه المرتبة، بل هي التي جاءت إليه ومنحته ما تراه يتلاءم وشخصيته وتقدمه على مختلف الزعامات والأشخاص تبعاً لأسلوبه السياسي وسلوكه المميز والمعتدل في كل المجالات..
ومثلما كسب الملك عبدالله قاعدته الشعبية والعربية من خلال بساطته وعفته وتعاليه على الصغائر، ووضوح رؤيته، فإن التقديرات العالمية تناغمت مع حقيقة ما يعمل ويعطي، ويكفينا أنه أب الفقراء في الداخل والخارج، وصاحب الفعل المتسامح حتى مع من يقفون ضده، ثم إنه رجل المهمات الكبيرة بثبات مواقفه العربية والإسلامية وصاحب المبادرات في الحوار الوطني، وحوار الأديان، ومنح أكبر مساعدة عالمية لصندوق الفقراء في العالم، والذي تعمّد زيارة بابا الفاتيكان لنزع العداء بين الأديان وليثبت أن الإسلام ليس ديناً متقوقعاً أو عدائياً..
مناقب الملك عبدالله كثيرة، لكنه الشخصية العازفة عن المديح، وهو بهذا السلوك يؤكد أنه قيمة كبرى في وطنه، وإقليمه، وكل العالم..