عذراً هيئة الإسكان.. فالبداية تبدو غير مشجعة
د. سليمان بن عبدالله الرويشد
عزم الهيئة العامة للإسكان في الخطوة الأولى التي اتخذتها بعد صدور قرار تنظيمها منذ قرابة العام بتولي مهام التنفيذ المباشر لمشاريع الإسكان التي أنهت الهيئة تسلم مواقعها في عشر من مناطق المملكة عبر إسناد أعمال التصميم لمكاتب استشارية هندسية تتعاقد معها الهيئة ومن ثم تقوم هذه المؤسسة الوليدة المسؤولة عن الإسكان بطرح تلك التصاميم على المقاولين، في هذا الظرف المأزوم للتنفيذ، يمثل في الواقع توجهاً غير مشجع، حيال مستقبل حل مشكلة الإسكان في المملكة، ودور مؤسسات هذا القطاع في الاقتصاد الوطني، وإمكانية استدامة الدور الإيجابي لهذه المؤسسات.
فالأخذ بهذا النهج في مسار أداء الهيئة للقيام بمسؤولياتها، يجعلها في الواقع لاتختلف على الإطلاق عما سارت عليه المؤسسات الحكومية التي سبقتها في أداء هذا الدور، والقيام بالمهام التي أنيطت بها، رغم إختلاف الظروف التي أحاطت بكل منها، كما أنه لايتفق في اعتقادي مع الهدف من وراء تأسيس هذه الهيئة، والتنظيم الذي وضع لتمارس من خلاله أعمالها، فلا أظن أن أحداً كان ينتظر من الهيئة أن تمارس من بين مهامها دوراً مشابهاً لما تقوم به إدارة المشروعات أو الإدارات الهندسية في القطاعات الحكومية الأخرى، وإنما كان يتوقع أن تصبح جسراً تعبر من خلاله أهداف وسياسات وبرامج وخطط الاستراتيجية الوطنية للإسكان ليجسدها القطاع الخاص المستثمر على أرض الواقع من خلال تشجيع الهيئة له للمشاركة في تنفيذ تلك البرامج والخطط لا إبقائه متفرجاً ومن ثم متراجعاً عن ساحة التنافس مع القطاع الحكومي التي تمثل خطوة البداية للهيئة في تصوري نموذجاً حياً لذلك فالمؤسسات الحكومية التي في المستوى التنظيمي للهيئة العامة للإسكان وتناظرها في ذات الدور لكن ضمن قطاعات تنموية أخرى لم تتبن ذلك النهج أو تسير على ذلك الدرب، حيث لم نشاهد الهيئة العامة للاستثمار تتولى إقامة المدن الاقتصادية، ولا الهيئة العامة للاتصالات في تنفيذ أي من خدمات الاتصالات بمختلف أنواعها، ولا الهيئة العامة للسياحة والآثار في تنفيذ مشروعات الإيواء والمرافق الترفيهية، أو غيرها من الهيئات الحكومية الأخرى.
إن قطاع البناء والتشييد بوجه عام ويشمل ذلك مشاريع الاسكان يمثل من وجهة النظر الاقتصادية قطاعاً غير منتج في حد ذاته مقارنة بالقطاعات الأخرى المنتجة مثل القطاع الصناعي والمالي والسياحي، لكن ينظر لذلك القطاع بأنه محفز للقطاعات الأخرى المنتجة التي تأتي في مقدتها صناعة مواد البناء والإنشاء والأثاث ومؤسسات التمويل للإسكان والمشروعات العقارية، لذا يتطلع المهتمون بالتنمية الاقتصادية في المملكة بأن تسعى الهيئة العامة للإسكان لأداء هذا الدور، وذلك بأن لاتحصر مهمتها في توفير الوحدات السكنية فقط وإنما في التنمية الاجتماعية والاقتصادية في ذات الوقت وذلك عبر إسناد تنفيذ مشروعاتها في مختلف برامج الاسكان التي تتبناها إلى الشركات العقارية المساهمة التي يمكن أن تتنافس على تلك المشروعات بصورة منفردة أو متضامنة، فمن خلال بناء الشراكة في أداء المهام مع تلك الشركات يمكن أن تنشأ فرص عمل جديدة للمواطنين وتزيد من أرباح تلك الشركات وبالتالي العائد على مساهميها مما يحفزها في مرحلة تالية للمشاركة في إقامة مزيد من المصانع المنتجة لمواد البناء والسلع المتعلقة بذلك وكذلك في تأسيس مؤسسات التمويل الموجهة خدماتها لقطاع الاسكان لكن إن بقيت الهيئة رهن ذلك النهج فلن تستطيع أن تلبي حاجة المواطنين للسكن، ولن يكون لها ذلك الأثر الإيجابي على الاقتصاد الوطني وفق ما كان مؤملاً منها.
أكاديمي وباحث في اقتصاديات التنمية الحضرية