الحدث الخارجي الذي لا يتماس مع قضايانا وشأننا، ربما لا يكون له أي أهمية، أو بقيمة ما يدور على أرضنا، وهذا المثل ينطبق على الاتفاقات بين تايوان والصين التي جاءت بعد نقاشات وحوادث كادت أن تفجر حرباً تدخل فيها أطراف دولية، غير أن اهتمامنا ينطلق من بدهية المواقف الواعية والتي تدرك أن الحلول بالتراضي تأتي بمكاسب كبيرة تماماً كما حدث مع جزر الصين التي استولت عليها بريطانيا، والبرتغال، وتايوان التي انفصلت وشكلت طفرتها الاقتصادية غير المسبوقة، ثم لجوءها أن تكون خصماً ضد الدولة العظمى التي تنتمي لها جذرياً وتاريخياً، دققت بكل الاحتمالات والأفكار، والنتيجة كانت جاذبية التعامل مع الواقع والمستقبل بفرض الحوار، ثم فتح الحدود، وربما التحام الفرع بالأصل على قاعدة السلام المتبادل لا العكس..
نحن في منطقتنا العربية تفصلنا كلمة، أو موقف، وتؤديان إلى القطيعة وتبادل الشتائم وتعطيل أي مشروع بعوائد كبيرة على مواطني البلدين، أو عدة بلدان، وقد تعودنا أن نرى تلازم المشاكل في لبنان، وما بين الجزائر والمغرب والسودان والعراق وغيرها، بينما الحلول متوفرة لكنها تحتاج للعبور للعقل بمعجزة، وحتى الأطراف الأخرى من خارج دوائر التفاعلات الساخنة نجدها متداخلة مع هذه الحالات لأنها تريد أن تكون سيادة كل بلد وتحقيق أمنه مشكلا عربيا، وليس خارجيا، ومع ذلك لم يوجد لدينا العقل الصيني الذي استطاع بالإقناع، أن يدير معاركه بهدوء وبعيداً عن الضغوط الخارجية، ولم نجد أسبانيا وبريطانيا يذهبان إلى محكمة العدل الدولية، أو الأوروبية لحل أزمة جبل طارق، وحتى تشيكوسلوفاكيا القديمة قبلت الانفصال بدون حروب، وهي التي للتو خارجة مع نظام شيوعي إلى نظام ديموقراطي، بينما يتوفر لدينا مقاييس الحروب والانفعالات لأي طارئ جديد، وقد ذهبنا بثقافة عدم التجانس أن من يتقارب مع الغرب وأمريكا، يعد خادماً أميناً للمؤامرات، بينما الآن الكل يركض بهذا الاتجاه وقد تغيرت المفاهيم والمواقف، لكنها أبقت على الشكوك، وربما لا يوجد بلدان منطقة في العالم من تعددت تحالفاتهم وحروبهم وحالات التفتيت التي تجرى بينهم، مثلما يسود في منطقتنا..
تصوروا لو أن الصين الشعبية جهزت قوتها الضاربة لغزو تايوان، ودعونا نفترض حياد القوى الكبرى في النزاع، كم ستكون الخسائر المادية والبشرية بين البلدين، بينما كم سيضاف لخزينتهما من طاقات بشرية وعلاقات اقتصادية إذا ما تحول الاتجاه إلى سلام، وهو ما حدث الآن، والغريب أن الصين الكبرى لم تحركها غرائز القوة، أو الاعتماد على نظريات الضم بالسلاح، وإنما دعت الأمور تجري وفق إيقاع الزمن، وعندها جاء الاتفاق بصيغة الاحترام المتبادل لكل نظام، ومن هنا أصبحت السياسة الواقعية دبلوماسية المنافع ، هما المحرك الأساس بينما نحتاج إلى عقود طويلة حتى نحل أصغر المشاكل، وتلك هي النسبة والتناسب في حصيلة الوعي وقناعات العقلاء..