بحث



الجمعه 9 جمادى الآخر 1429هـ -13 يونيو2008م - العدد 14599

عودة الى الأخــيــرة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


بالفصيح
في المطار

عبدالله الناصر
    كان المطار يعج بالصخب وضجيج الطائرات الذي اختلط مع حركة الناس، فأصبحوا لا يسمعون شيئاً لأنهم في قلب الحركة وقلب الضجيج، كان جالساً يحتسي فنجان قهوة، ويراقب الصخب والحركة، وكان يحاول أن يجد تفسيراً لكل هذه المعركة الحياتية المحتدمة التي لا يلتفت فيها أحد إلى أحد، ولا سأل فيها أحد أحداً. وكأنه يقول: لماذا كل هذا ؟! وهل هذا شيء جميل، ومريح، وعاقل، وعادل، في حق الإنسان؟ بل هل هنا معنى للإنسانية داخل هذه الورشة الضخمة التي يكاد المرء فيها أن يذهل عن نفسه؟ بل في هذا الاجتماع المتفكك، المنفصل عن بعضه. حتى ليخيل للمرء نفسه أنه هو قد تحول إلى كتل، وأن أجزاء جسمه أصبحت مفصولة عن بعضها، فالسمع معزول عن النظر، واليد معزولة عن الرجل، وكل عضو يتحرك وفق قوة وهيمنة لا إرادية، فهناك أرجل تصعد السلم المتحرك، وهناك أعين مشدودة ومذهولة في لوحات مواعيد الطائرات، ولوحات الدعاية، والبحث في هذا الضنك عن طريق، فاليد اليمنى مشغولة بمتاع، واليد اليسرى مشغولة بحمل متاع آخر، أو بجهاز الهاتف، حيث تكون الأذن مشغولة بحديث يحاول المرء فيه أن يلتقط أجزاءه من بين ضجيج الطائرات، وأكتاف وأقدام السائرين، فالمرء في آن واحد يسير ويتحدث، ويشاهد، ويراقب، ويفكر في قلق وأضطراب، فهو يتحدث، ويمشي، ويلهث، لم ير أحداً يضحك، ولم ير أحداً يبتسم، الكل مشغول مأزوم، مفتون بأزمته وشغله.!!

وراح يسأل ويكرر السؤال على نفسه لماذا كل هذا ؟! وهل هذه دوامة أبدية، لكونه سيكون أبدي الانفعال، والانشغال، والذهول.؟!!

هذا صوت إعلانٍ لطائرة سوف تقلع، وآخر لطائرة هبطت. الجو كله حركة وصخب، إقلاع وهبوط، وطيران، طيران لا ينتهي.. وركض، ركض لا يتوقف.. وألح عليه السؤال: ماذا يحمل هؤلاء في رؤوسهم من أفكار، ورؤى وأحلام في هذا العالم الصاخب العنيف.؟ لا شك أن في رؤوسهم احلاماً حلوة ولذيذة، ولكن هذا العنف وهذا الذهول لا بد أنهما يسحقانها ويسحلانها، ويمسحان متعتها.! فكيف لهذه المرأة التي تركض أمامه مثلا وهي تجر خلفها حقيبة وتحمل على كتفها طفلاً ينوس رأسه، ويضطرب، ويخفق يميناً وشمالاً، وهي تهرول راكضة من معبر الجوازات إلى سرادق الطائرة.. كيف لها أن تستطعم لذة الحياة داخل دوامة الصخب هذه؟ داخل منظومة الركض الآلي، فالإنسان أصبح يأكل وهو يركض، ويشرب وهو يركض، ويتحدث وهو يركض، بل يدخل دورة المياه راكضاً دونما شعور منه، وشعر أن الإنسان قد "تأيّل" أي أصبح جزءاً من منظومة الآلة الكونية الضخمة، وأنه أصبح مسماراً في هذه "الماكينة" الرهيبة التي تعمل وتدور بلا عقل، ففقد إنسانيته بإرادته وبصنعه وبلا براءة اوعفوية .!!

غير أنه عاد إلى نفسه يلومها وقال: لا شك أن هذا الشعور تلبسني تحت ضغط أعصابي المتلفة بكثرة التنقل والرحيل، ومن بوابات المطارات، وصالات الانتظار.. لكنه التفت إلى الشارع المحاذي فوجد أرتال السيارات المزدحمة بعضها يدفع بعضاً.. وعلى بعد رآى سيارات منطلقة بأقصى سرعة وكلها تدور في فلك التنقل والرحيل .. الرحيل السريع نحو حياة صاخبة منطلقة وسريعة.. وداهمه شعور بأن الدنيا منفلتة، بل داهمه شعور بأن الدنيا اصبحت مجنونة، ومختلة عقليا، وتخيل الناس وهم غارقون في هذا الجنون الوجودي المستديم، والذي يتضاعف صخبه لحظة بعد لحظة.. وقال: أيعقل أن يكون في هذه الدنيا مكان للعقل، مكان للراحة، مكان للمتعة في ظل ثقافة الآلة الصارمة الماحقة؟

وبدا له أن الإنسانية قد تجلت عبقريتها وانحصر ابداعها في ثقافة صناعة الآلة.. وان كوامن الإحساس قد تجمدت، وأن ثقافة الروح قد اقفرت، بل تحجرت. وقال في نفسه إنه من المستحيل أن يكون هناك موطن للرحمة، والفن داخل اسوار هذه الورشة الضخمة .. أو مكان للأدب والشعر، والجمال، أو مكان للحب والولة، والفتون.. فهل يمكن لشاعر أن يتغزل في هذا المعترك؟ أيمكن لفنان أن يعزف معزوفة للريح والبحر، والأصيل، في هذا العالم الفزع الدامي الصاخب المريع؟

في هذه اللحظة، أعلن مذيع المطار عن التوجه إلى الطائرة، فحمل حقيبته مسرعاً، وحشر نفسه مع الراكضين ..!!

24 تعليق
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


يازين كتابتك
ويا زين طرحك
أتابعك من زمان
وقريت عنك تاريخ ما شاء الله مشرف
أستاذنا الفاضل
ارفع القبعه لك أحترام وتقدير.


علاوي حبيب امه
ابلاغ
04:28 صباحاً 2008/06/13

 


اخي الكريم ان المطارات معزوله بحيث لا تسمع الطائرات واصبحت متعه باسواقها ومطاعمها وكيف بصاحبنا يركض اذا هو كان عنده من الوقت الكافي ليجلس ويتناول كاس قهوه ولم ارى ابدا ناس تراكض الى الطائره فتجدهم بسرا هادئين


ولد الحميد
ابلاغ
05:10 صباحاً 2008/06/13

 


شكرا جزيلا -مقال أكثر من رائع-قرأت لك عن كيفيه استقالتك وقبولها من خادم الحرمين الشريفين وهل هي واقعه؟ارجوا ايرادها مع التحيه


الغويري
ابلاغ
05:35 صباحاً 2008/06/13

 


الله يخارجنا
وش استفدنا من كل هاذا
الكلام
تدري سلام


خضران الزهراني
ابلاغ
05:45 صباحاً 2008/06/13

 


تحية الاسلام يابلادي بلاد الاسلام
تحية لجريدة الرياض
تحية للكاتب القدير الاستاذ عبدالله الناصر
لاجديد..فأنت دائما مبدع مهما كان الموضوع الذي تكتب فيه بالرغم من أن قلمك لايميل إلى تلك المواضيع المليئة بالعبارت المنمقة واستمالة العواطف بالمجاملات والنفاق الاجتماعي الذي سئمنا منه بفضل بعض كتابنا وشعرائنا الكرام.


عبدالرحمن المطيري-لندن
ابلاغ
06:26 صباحاً 2008/06/13

 


الناصر ذكريات معكم لاتنسى


كيف الحال
ابلاغ
08:14 صباحاً 2008/06/13

 


سبحان الله " لكل وجهة هو موليها" , في المطار و الشارع , و الشركات و المصانع , و الوزارات و المصارف , الكل يركض , الكل يسعى , الكل يريد أن يظفر , بشئ أو بآخر , وهنا تتشكل منظومة الركض في العالم لأجل العالم.
وفي تنفرد فيها مع مشاعرك وحدكما , وتتأمل فيمن حولكما , تتكتشفان أنكما منفردان و لكن سرعان ما تنغمسان في دوامة الحياة.
ذلك سنة , ولكن خيرنا من يقبض على دينه و خلقه في حلبة السباق
تأمل رائع أستاذي عبدالله الناصر


نورة الطويل
ابلاغ
08:17 صباحاً 2008/06/13

 


مقال رائع..
عاده استاذ عبدالله في المطارات خصوصا مع العائلة تتوتر الاوضاع الاب معه الجوازات و التذاكر و الابناء يشيلون الشناط و الام معها الصغار...ووو
لا سبيل للاسترخاء الا عند ركوب الطيارة تختفي هذه الزوبعة..


نورة
ابلاغ
08:55 صباحاً 2008/06/13

 


عالم صاخب ,
لم يعد للدفء والأمان مكاناً في هذه الدنيا...,
تلك الوجوه المشرقات وضاءةً.. التي تأخذك لعالم الجمال والهدوء والدعة.., لم تعد إلا خيالات...
الله يافضاءات الجمال كم أنا باشتياق إليك..؟


طالب مغترب - بريطانيا
ابلاغ
10:03 صباحاً 2008/06/13

 10 


مبدع , هناك رجل بالف وهناك رجل بف


خليل حمود
ابلاغ
10:14 صباحاً 2008/06/13

 11 


اخطات كيف تقول انه لامكان في هذه العالم للادب والشعر والجمال
اذا ماذا يعد ما كتبت اليس محضا من الادب الجميل احسست يعد قراءة المقال بالرغبة القوية بان اخذ اجازة من عملى واذهب الى مكان هادئ بعيد لا اعلم من اين تمتلك القدرة على ان تجعل القارئ جزءا من النص وانه معك في وسط زحام المطار كما احسست من قبل عندما كتبت عن الرعاة حين انقطع المطر
شكرا لامتاعك لنا كل اسبوع بكل جميل


سعاد حسن
ابلاغ
12:05 مساءً 2008/06/13

 12 


يوم مبارك أستاذنا عبدالله... "أيعقل أن يكون فيه هذه الدنيا مكان للعقل مكان للراحة، مكان للمتعة في ظل ثقافة الآلة الصارمة الماحقة ؟... انه من المستحيل أن يكون هناك موطن للرحمة، والفن داخل أسوار هذه الورشة الضخمة.."
** حلقة اليوم أحسبها حلقة للإبداع غير المباشر لأني أعدّ مقالات أخينا الناصر من الابداع المباشر
قصة ممتعة مستوحاة من عذابات الكاتب مع المطارات الكثيرة التي ارتفقها طوال حياته العامرة...
*** ابراهيم نويري / كاتب جزائري / تبسة / الجزائر


ابراهيم نويري
ابلاغ
12:38 مساءً 2008/06/13

 13 


بسم الله الرحمن الرحيم
... بورك فيك وفي قلمك المبدع أستاذ عبدالله.
القصة ماتعة وبديعة.. كما عهدناك دوماً في كتابة القصة القصيرة.. وما من قارئ لقصصك الاّ وفي ذهنه شيء من مجموعة " أشباح السراب "
** نبيلة حناقرية / الجزائر


نبيلة حناقرية
ابلاغ
12:41 مساءً 2008/06/13

 14 


تخيلت نفسي أحد الراكضين ووجدت أن الركض أمر لابد منه
وحقاً الكل يركض وبسرعه أيضاً..!
ليلحق..!!
ولابد لك أيضاً أن تركض لأنها سنة الحياه..!


عبدالعزيز العمري
ابلاغ
12:53 مساءً 2008/06/13

 15 


تسلم يمينك
صورة عشتها ورسمها أنت يا مبدع


حسام
ابلاغ
01:15 مساءً 2008/06/13

 16 


رغم حقيقة هذا الصخب وتأيل الإنسان.. فلا زالت مناطق في الأرض تنعم بالهدوء وادعة بين الصحاري او الغابات. ولكننا للأسف نقول عنها قرى أو مناطق نائية ونهجرها لأنها تخلو من مطار وفنادق فارهة ومطاعم وقوافل من السيارات. ونسخر من القروي وعفويته وكأنه أبله.. نسافر ننشد الراحة ولا نتعدى الفنادق والشوارع المليئة بالسياح والصخب ولا نكاد نزور الريف والغابات والشواطئ الهادئة إلايومين.. ونعود و عقولنا وقلوبنا مرهقة من سوء التخطيط الذي يجبرنا عليه الآخرون أحيانا.. نستطيع جعل ضوضاء المطار تنقلنا لهدوء الريف ونهجر


صفية
ابلاغ
01:53 مساءً 2008/06/13

 17 


بسم الله الرحمن الرحيم
قصة رائعة هادفة... انها تصوير لجانب صاخب من طبيعة هذا العصر الآلي الذي أثر سلباً على الانسان بالرغم من وجود الكثير من الايجابيات أيضا... لكن يظل النزوع لحياة البساطة والدعة والبعد عن الصخب والهرج والمرج أمراً قائماً داخل العديد من النفوس... فما أجمل حياة البساطة والصحراء والطبيعة... شكراً لك أستاذ عبد الله وحفظ الله قلمك المبدع...
** فادي نويري ** الجزائر


فادي نويري
ابلاغ
02:01 مساءً 2008/06/13

 18 


نستطيع جعل ضوضاء المطار تنقلنا لنهجر الصخب وننعم بفطرية الأرض وعفوية القلب.. نستطيع أن نسرق لأنفسنا أوقاتا لا نسمع فيها إلا همسا.. همس الطبيعة و الأصدقاء المصطفون.. وخاصة من كان أمره بيده من الرجال غالبا أو بعض النساء.. وخاصة بعد عام عمل شاق.. و أتمنى لو كنت ثريا لأنشأت منتجعا هادئا كبيرا فطريا وفي بلادنا في الطائف او الجنوب او حتى صلالة.. ومنعت دخول السيارات لبوابته غير سيارات المنتجع الصغيرة للتنقل الداخلي.. ومنعت دخول الأطفال و المجموعات الكبيرة بحيث لايتجاوز عددالمجموعة اربعة اشخاص..


صفية
ابلاغ
02:06 مساءً 2008/06/13

 19 


مبدع دوما والله يذكر ايامك بالخير كنت الشخص الوحيد الذي يجد الطالب ضالته عفي الملحقيه
همسه لك ياستاذي
ياليت تنظر بوضع الملحقيه الان؟


مبتعث
ابلاغ
02:54 مساءً 2008/06/13

 20 


شكراً لك


Yasser_NZ
ابلاغ
03:09 مساءً 2008/06/13



  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الأخــيــرة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية