د. سليمان بن عبدالله الرويشد
يبدو أن انقطاع التيار الكهربائي عن بعض احياء مدينة الرياض خلال الاسبوع الماضي يمثل إرهاصاً مبكراً لأزمات من المتوقع ان تحدث لهذه الخدمة خلال فصل الصيف الذي دلفنا الى عتبته منذ ايام، وذلك اثناء فترات الذروة، لاسيما في شهر رمضان المبارك الذي يأتي متزامناً هذا العام من شهر اغسطس اشد اشهر الصيف حرارة، فحسب ما اشارات اليه بعض الصحف التي نشرت هذا الخبر اكدت مصادر في الشركة ان سبب هذا الانقطاع هو زيادة احمال المولدات وغير خاف ان من ابرز التحديات التي صرح مسؤولو الشركة بأنها تجابههم هو تقادم الوحدات العاملة في الشركة سواء في قطاعات التوليد او النقل او التوزيع وذلك لتجاوزها العمر الافتراضي للتشغيل واحتياجها لبرامج صيانة عالية، وبالتالي فهي عرضة لانقطاعات مؤثرة بلاشك على المستفيدين من الخدمة.
ووفقاً لما تعلن عنه الشركة من بيانات فإن القطاع السكني يأتي في المرتبة الاولى من حيث استهلاك الطاقة الكهربائية في المملكة بنسبة تصل الى 57% من اجمالي الاستهلاك العام للكهرباء محلياً، وتبلغ ذروة الاستهلاك في الصيف بطبيعة الحال التي هي الفترة المستنزفة للاستثمار الرأسمالي لشركة الكهرباء من اجل تلبية الطلب على الخدمة اثناءها عبر انشاء محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، وذلك بسبب الاستخدام المكثف لاجهزة التكييف بالدرجة الاولى في هذا الفصل من العام داخل الوحدات السكنية.
لكن ما يبعث على الدهشة ان كثيرا من المستثمرين العقاريين من ملاك الاراضي لا يتوقفون عن الالحاح وتكرار الدعوة للسماح لهم بإقامة الابراج السكنية أو المباني السكنية العالية ذات الوحدات المتعددة التي هي في الواقع بالاضافة الى انها لا تحقق الا الحد الادنى من الخصوصية للأسرة المقيمة بها وافرادها، هذا ان لم تهدد او تنتهك تلك الخصوصية، فإنها تستهلك معدلات عالية من الطاقة الكهربائية نتيجة الاعتماد على الوسائل الصناعية ان صح التعبير لا الطبيعية في الانارة والتهوية والتكييف والاتصال الرأسي بين وحداتها، وهذا كله يتطلب مقداراً اعلى من الطاقة الكهربائية مقارنةبالوحدات في المباني منخفضة ومتوسطة الكثافة السكنية.
أبا بدر... لقد ظلمت من سبقك وأدنت جيلك
الأخ إبراهيم بن سعيدان (أبو بدر) من المهتمين بالشأن العقاري الذين اعتدت على مماحكاتهم في الملتقيات التي تضمنا وتعنى بهذا القطاع، ولعل ما عقب به في عدد يوم الأربعاء الماضي من هذه الصحيفة تحت عنوان "مطورو الأحياء السكنية يستحقون الشكر والعرفان" وذلك على المقال الذي نشر لي في هذه الزاوية يوم الأحد الماضي يدخل ضمن هذا الإطار، ولقد وجدت في الصفة التي أطلقها (أبو بدر) على نفسه في ذيل تعقيبه "مطور ومستثمر عقاري" ما شدني للرغبة في التعليق على ما أورده وأوجزه فيما يلي:
1- الاستنتاج الذي انتهى إليه الأخ إبراهيم (سامحه الله) من المقال بأنه تضمن تقليلا من شأن العقاريين الذين كان لهم دور ريادي، وإحباطا وتقليلا من دور قام به المطورون الرواد الذين بنوا العاصمة الرياض لم أجد له ما يسنده، فالمقال لم يشر لرواد أو غيرهم كما لم يقلل من شأن أي من له صلة بالتطوير العقاري وإنما تضمن إنتقاداً لفئة من المطورين العقاريين الذين استمروا على انتهاج نمط واحد في التطوير ولم ينتقلوا به خطوة واحدة إلى الأمام حتى عدوا تقليديين في هذا المنهج الذي يبدو ان المرحلة الحالية قد تجاوزته وشتان ما بين النقد والتقليل من دور الآخر...!
2- كم كنت أود من الأخ إبراهيم لو أورد لنا بياناً أو نموذجاً من أولئك الرواد الذي أشار لهم، ومعالم ريادتهم والحقب التي مروا بها كما ذكر في تعقيبه، الذي أرجو ألا يكون من بينهم بعض من الرعيل الأول الذي جردوا الرياض من بساتينها وحولوها مساكن بعد أن نحتت منها الرياض اسمها على مدى قرون، أو أولئك الذين أخفت مخططاتهم معالم الأودية والشعاب بها وأقام الناس قواعد مساكنهم عليها، أو من بعثروا التنمية بها إلى أن قيدتهم الدولة عبر قواعد النطاق العمراني عن ذلك، فلعل (أبا بدر) يسهم لنا بهذا الجهد العلمي التاريخي في أحد المنتديات العقارية التي تمثل في الواقع ما كنت أعني في نهاية المقال من أنه يعتبر إضافة قيمة لما يطرح في ملتقى مثل منتدى تطوير الأحياء السكنية.
3- لقد ظلم الأخ ابراهيم ولم ينصف رواد النشاط والاستثمار العقاري الذين سبقوا جيله في مدينة الرياض حين ذكر بأنه لم يخطر في بالهم موضوع ادارة الحي بينما الشواهد القائمة تشير الى عكس ذلك، فعملية التطوير التي خضعت لها (حلة بن دايل) جنوب مدينة الرياض على سبيل المثال التي تتميز بنمط من الوحدات السكنية عمت آرجاء مدينة الرياض في فترة من الفترات تمثل بدايات مبكرة وأولية وموافقة لمقاييس ذلك الوقت في إدارة التطوير للحي السكني، ومشروع (ابن تركي) السكني الذي يعد نواة حي الشفاء جنوب مدينة الرياض وجاء في مرحلة تالية يعد من الخطوات الأولى المبكرة لمشاريع الاسكان الشاملة بمقاييس تلك الفترة أيضاً، بينما الجيل الذي جاء بعد ذلك ويمثل الأخ ابراهيم بن سعيدان أحد أبرز وجوهه، وعاصر فترة الازدهار الاقتصادي الأولى في التسعينيات من القرن الهجري المنصرم، لم يتمخض عنه سوى نشزة الشركة العقارية السعودية المؤسسة العقارية اليتيمة في ذلك الوقت التي تحسب على القطاع الخاص التي لم تنجب سوى مولود وحيد هو الحي السكني في العليا الذي يعتبر المشروع الاسكاني الشامل الوحيد من القطاع الخاص الذي ظهر في تلك الفترة ولم يتكرر.
4- إنني أحرص على أن أذيل المقالات التي أنشرها بما يوحي بأني كاتب مهتم بالشأن العام مما يدخل ضمن اهتمامي البحثي دون التطرق لصفتي الوظيفية، الا أن إشارة الأخ ابراهيم بن سعيدان في تعقيبه الى ذلك، وتساؤله عن لماذا لم يكن لي نصيب مما ذكرته أثناء عملي في أمانة منطقة الرياض، فأجيب على ذلك بأن التنمية والتطور العمراني الذي تشهده مدينة الرياض في الوقت الحاضر والذي لا ينكر تميزه أي منصف لم ينشأ من فراغ وانما كان له أساس وبذرة كنت ممن شرفوا بالمشاركة في غرسها أثناء عملي في فريق التنمية الذي كان ولا يزال يديره سمو أمين مدينة الرياض ويرسم سياسته صاحب السمو الملكي رئيس الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض.
@ أكاديمي وباحث في اقتصاديات التنمية الحضرية