الأصدقاء يجتمعون..
من الصعب، إن لم يكن من العسير أن تقف في المربع الواحد في السياسة العربية، لأنك، في كل الأحوال، تظل محشوراً في الزوايا الضيقة، حتى لو جعلت الحياد اتجاهاً ثابتاً، ومن هنا حدثت معاناتنا مع اليسار، في الماضي القريب وعادانا المعسكر الشرقي، وكل من يدورون في فلكه، والآن نحن على خط النار مع المتطرفين اليمينيين في الغرب وأمريكا، لكن ذلك لا يمنع أن تدخل معترك الدبلوماسية بحسّ المسؤولية سواء مع من اتفق معك، أو ناقضك، إذا كان حُكم المصالح متقدماً على غيره..
سمو الأمير سلطان ذهب لأسبانيا، وهي جسر الحضارة بين العرب والمسلمين مع أوروبا، ولا تزال هذه الدولة قريبة الصلة، ليس فقط من خلال التاريخ الذي انقطع مع خروج العرب منها، وإنما بسبب الضمير المتصل معها، ومن هنا جاء تجديد العلاقات كفرع من حقيقة ثبات سياسة البلدين تجاه بعضهما، والأمير سلطان الذي تربطه علاقات شخصية مع الأسرة المالكة الأسبانية، يذهب، وبيده أكثر من قرار في صياغة اتفاقات جديدة، اقتصادية، وسياسية وعسكرية، وحتى ثقافية، وهذا البعد في العلاقة لا يأتي بمبدأ جرعة العواطف الزائدة، وإنما من فهم مشترك لحاجة الطرفين لبعضهما، ولعل مدريد التي شهدت أهم مؤتمر للسلام بين العرب وإسرائيل، هي التي اتخذت خط الوسط في رحلة الصراع مع الغرب، وكانت الأقرب إلى القضايا العربية زمن الرئيس فرانكو، وحتى ما بعده، ورغم وجود بعض الملابسات السياسية، بعد غزو العراق، إلا أن الأمور تم تسويتها، وهذا الوعي بضرورة العلاقات، وفر غطاءً لنهج سياسي أكثر قبولاً..
فالمملكة ليس لديها تحفظ على أي شأن داخلي لأي دولة، لأن هذا جزء من مبادئها وسلوكها، بنفس الوقت ترفض أن يتدخل في شؤونها أي دولة، وبهذا السلوك استطاعت أن تكون صديقة الجميع، وظلت راعية حوار مع كل الجبهات، وعنصر سلام في حل القضايا الحساسة، وعندما يتحاور أي مسؤول سعودي مع طرف أجنبي، إنما يمثل الواقع العربي المعتدل، وغير المتشنج، لأنه في ظل الظروف الدولية القائمة، أصبح الاعتماد على العلاقات الإيجابية، بنداً أساسياً في تثميرها إلى عمل متواصل يتجه إلى تسوية الخلافات والتواصل بتعاون مفتوح، إذ لم يعد الغرب رأسمالياً، والشرق اشتراكياً في التطور العالمي الحديث الذي فتح الأبواب للاستثمار والتعاون، وخلق بيئات مصالح تمنح كل دولة حقها الطبيعي..
الأمة العربية تحتاج إلى سياسة واضحة، وعندما تكون المملكة حلقة الوصل مع دول وقوى أخرى، وتتحرك لأهداف لا تخصها وحدها، فإن هذا العمل يفرض التعامل مع الحقائق بوضوحها، لا بألوانها القزحية، والدبلوماسية الحديثة هي فن الممكن، وأخذ وعطاء واتجاه إلى مصالحة الذات، والوثوق بها ضمن محدّدات المعايير الدولية..