نسي وقاره، طوّح شماغه بعيداً وراح يلوّح بكلتا يديه، كنا نرى (صلعته) للمرة الأولى والتي بدت كظهر يقطينة ذابلة.. لم يتنبه أحد إلى أن ما حدث كان مجرد ردة فعل لما كان يقوله مذيع النشرة الجوية حسن كراني في إحدى ليالي شتاء 1409ه.. حين تنبهنا كان حسن يقرأ درجات العبيلة وشواله.
سألناه: ما الذي حدث؟ أجاب وهو يواصل هزّ ذراعيه في الهواء كزعيم أفريقي يُريد أن يستنهض همم حشوده.. قال: حائل 9تحت الصفر !!.. حائل أبرد مناطق المملكة !!.
يا للأولوية المبهجة.
كثيرون غيره حملوا ذات الشعور ممن يفتشون عن أيّ أولوية حتى ولو من خلال ميزان الحرارة، والشيء ذاته يحدث في مناطق أخرى وللسبب عينه.
كيف بتنا نفهم الأولوية؟، وبأيّ معيار؟، وعلى أيّ قيمة نجعلها تسند ظهرها؟ .. وهل في تجمد المفاصل أولوية تذكر؟.
استعدتّ هذا المشهد في الوقت الذي كنتُ أقرأ فيه تقريرا في ملحق "الرياض الاقتصادي" قبل أيام مضت عن مستوى التضخم في مختلف مناطق المملكة.. حيث حصلت حائل بجدارة أو بلا جدارة - لا أعلم - على المركز الأول في التضخم بين كافة مناطق الوطن.. لكني هذه المرة لا أعرف إن كان صاحبي سيطيّر لها شماغه مبتهجا بها كأولوية. .أم سيديره لثاما غضبيا على فمه وأنفه، فكل ما أعرفه وما أنا على يقين منه أن ما سيطير في هذه الأولوية التي لا مرحباً بها هو الراتب ولا شيء سواه !.
وبما أنني لستُ ضليعا في الاقتصاد والحسابات والأرقام، وفي شهادتي الابتدائية (وهذا سرّ أذيعه لأول مرة) أكثر من دائرة حمراء في الحساب حين كان حساباً وقبل أن (يروّضوه).. لذلك لن أجعل من نفسي مفتيا في أسباب حدوث هذه الأولوية.. رغم أن الجغرافيا علمتني أن هذه المنطقة لا تعيش في جزيرة معزولة، فهي في خاصرة نجد وعلى هامة الشمال.. تحيطها جملة من المناطق التي لم يكن لها أيّ نصيب في هكذا أولوية !.
السؤال الذي لا أعرف إجابته، وأعلن عن جهلي المطبق فيه على رؤوس الأشهاد: هل لدينا اقتصاد وطني واحد يضمّ كل تراب الوطن من أقصاه إلى أقصاه، ويؤثر ويتأثر بمحيطه العام؟.. أم أننا نعيش داخل اقتصادات محلية لكل واحد منها إطاره الخاص.. بحيث يُمكن أن ينتج عنه مثل هذه الأولوية التي لم تكن على البال ولا على الخاطر؟، وحتما سأكون حزيناً لو أن صاحبي قد أشهر لها يقطينته الذابلة !.. فقط لأن أولوية البرد أرحم !.