بحث



الخميس 1 جمادى الآخر 1429هـ -5 يونيو2008م - العدد 14591

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


القبيلة والمجتمع
الأصول

د. عبدالله محمد الغذامي
    ليس صعباً أن نتصور الخلية البشرية الأولى التي تكونت على وجه الأرض وهي خلية من زوجين صار لهما أطفال من ذكور وإناث، حيث تعيش هذه الخلية الأولية في الفضاء الرحب وليس لعيشها حدود جغرافية ولم تتخلق أمامها فكرة الحدود وما تتضمنه من جمارك وجوازات وحراسات مشددة.

وكما أن ليس هناك من حدود فإن هذه الخلية أيضاً تعيش في فضاء ثقافي واحد، وكل رصيدهم المعنوي هو في إطار الواحد غير المتعدد، لغة واحدة ونظام معايش واحد، وظروف واحدة.

وفي أصل القصة الثقافية أن آدم عليه السلام كان في الهند بينما حواء كانت في جدة، وسار كل واحد منهما في طلب الآخر حتى تلاقيا في عرفة، وهو ما جعل عرفة تحمل هذا الاسم لكونها موطن التعارف بين الزوجين، ومن الواضح حسب هذه القصة أن آدم سار على قدميه واستعان بوسائل أولية لعبور الأرض من الهند حتى شارف مكة، كما أن من الواضح أنه لم يصادف رجال خفر الحدود ولا رجال الجوازات ولا رجال الجمارك، ومثله كانت حواء في حرية حركتها وتلقائية تصرفاتها.

كان هذا هو النموذج الأول لقيام نظام بشري، ولكن هذا الواحد التلقائي تحول إلى متعدد مع تناسل الذرية حيث تنوعت الألوان وتنوعت اللغات، وتعددت الأرصدة الثقافية، ومع التعدد هذا جاء حس بالتميز مصدره اللون واللغة والثقافة، وهو تميز يتجاوز الأصل النموذجي الأول أي الأصل الفطري، ويجنح كبديل للأصل الفطري إلى أصل ثقافي افتراضي يحاكي به نموذجاً استعلائياً مبكراً، هو ما ورد في قصص أصل الخليقة حيث سعى إبليس إلى تمييز نفسه وجنسه مفضلاً ذاته على آدم وذلك بالإحالة إلى الأصل في التكوين حيث ادعى إبليس أن النار أشرف من الطين ولذا يتفوق المخلوق الناري على المخلوق الطيني ويكون هو أرقى من آدم حسب هذه المبارزة الثقافية التي تحيل إلى الأصل وتركن إليه.

تلك مقولة ثقافية مبكرة صار له دور خطير في المتصورات الذهنية الثقافية في سيرة الثقافات بعد ذلك، وكلما تحولت الثقافة من توحدها إلى تعدد صيغها صاحب ذلك حس بالتميز، وقع ذلك في المذاهب الدينية مثلما وقع في الصيغ الثقافية اللغوية والعرقية وسحنة البشرة.

والدين - أي دين - هو في أصله واحد ثم تتعدد شعبه ومذاهبه حتى ليتصور كل أصحاب شعبة من هذه الشعب أنهم خير وأزكى من الشعب الأخرى، وكلهم تفريعات تحيل إلى أصل واحد، لكن التفريع يتناسى المبدأ الواحد وينغمس في شرطية التفريع، ومثل ذلك هي اللغات حيث الأصل واحد وتتنوع اللغات منحدرة من تنوع اللهجات حتى يمر على هذا التفريع زمن كاف للانفصال التام بين ما هو لهجات وما هو أصل لغوي ويتبع ذلك حس بالتميز كتميز الناري على الطيني.

ونحن هنا أمام نوعين من الأصول، أحدهما الأصل الفطري ويمثله المنشأ الواحد، وهو أصل طبيعي عام ولا تتميز فيه، والثاني أصل افتراضي يقوم على إعمال عناصر الاختلاف وجعلها ميزة وليست مجرد سمة تكوينية، وبما أن آدم مخلوق من طين وإبليس مخلوق من نار، فهذا يعطي مفتاحاً للدعوى بأن للاختلاف مغزى ثقافياً يختلف عن الشرط الطبيعي ويمنح فرصة للادعاد بالتمايز، ومثله يأتي اللون حيث يجري تمييز تفريعي بين الأشقر والأصفر والأسمر والأسود، ويتوارى الوعي بالسبب الظرفي والطبيعي ويحل محله تصور ثقافي بالتميز. وهنا يلعب الأصل الافتراضي دوراً خطراً في تناسي الأصل الفطري وإحلال أصل بديل تصنعه الثقافة.

لذا صار مفهوم الأصل معنى جوهرياً في أي ثقافة وعند أي مجموعة بشرية، وأنت لو ذهبت إلى مدينة كبرى كالقاهرة مثلاً فستجد كلمة الأصول وأبناء الأصول من أهم مفردات الحديث بين الناس إيجاباً أو سلباً وكلما ذم الناس شخصاً على تصرفه وصفوه بأنه ليس من أبناء الأصول وماعنده أصل. وهي كلمة تحيل إلى المنظومة الأخلاقية الافتراضية في السلوك، وتمثل هذه المنظومة الافتراضية حالة من التوقع الدائم والتمثل المنتظر، وعدمها يجلب الذم.

وستجد للكلمة مرادفات مدنية كثيرة من مثل أبناء الحارة وأبناء العوائل والحمولة هي كلها مصطلحات مدنية تجدها في مكة مثلما تجدها في الرياض والدمام، وهي تقابل ا تراه في ثقافة القبيلة من تصور عن رصيد معنوي يتوارثه الجيل عن الجيل ويتسمى به الأفراد والجماعات، وستجد له مرادفاً شعبياً وثقافياً حتى في أوروبا وأمريكا حيث تتردد كلمات من مثل مانرز، ومن مثل القيم العائلية، ومن مثل مفهوم الجنتلمان عند الانجليز أو مفهوم الحلم الأمريكي لدى الأمريكيين.

هو شعور كلي يعود وجدانيا إلى مرجعيات مفترضة تقيم من شأن الرصيد المعنوي لكل فئة، ولكنك ستجد أن منظومة القيم هي إياها على الرغم من تعدد الدعاوى حولها، وهي قيم أخلاقية كلية في الوفاء والأمانة والصدق والكرم والحمية وما يسمى عموماً بالاستقامة والنزاهة حسب المصطلح الأخلاقي البحت.

كلمة الأصول هي مخترع ثقافي لاحق وبما انه لاحق فقد تحول إلى لازمة وجدانية، ويحسن أن نتذكر هنا ما قلناه من قبل عن كتاب أمين معلوف (أصول) حيث راح ينبش في ذاكرته باحثاً عن أجداده الذين تحولوا إلى ذرية له وبدلاً من كونه مولوداً فطرياً لهم تحولوا في سطور كتابه ليكونوا أطفاله وليصنع من تذكارهم رصيداً معنوياً يعيش على نوازعه وهو في غربته الباريسية.

يحتاج المرء إلى أصول يحملها في داخل وجدانه ويخترع لها مسميات من مثل القبيلة، والعائلة، ولقد سمى معلوف أهله بالعشيرة مستمداً المصطلح التقليدي للحمة الأولية ويعطي الأصول سمته العرفية بكل شروطها التقليدية، مع أن عائلته لا تحمل سمات القبيلة بما إنها عائلة مدنية ولكن كلمة العشيرة تغني لغته بمدلولاتها المشبعة وتعطي الترحال العائلي معنى أزلياً وخلفية ثقافية سريعة التفاعل في ذهن الكاتب نفسه وفي أذهان قرائه من أجل خلق حس قوي بالأصول.

ولكن الأصول وهي قيمة وجدانية تتطلبها الحالة الثقافية البشرية فهي أيضاً عبء كبير ومسؤولية خطرة أحياناً، ولذا صار من نظام القبائل إيقاف النسب عند الجد الخامس، من أجل تقليل عدد المنتسبين للشجرة، وذلك لأن النسب مسؤولية قسرية في حالة وجود الدم والثأر، وكلما حصرت الشجرة تم حصر هذه المسؤولية، وذلك بتحمل الدية التي يدفعها مجموع أبناء الجد المشترك أو بأخذ الثأر من أحد ذرية هذا الجد الجامع لهذه الفئة، وكلما قل العدد انحصرت التبعات.

وللأصول أيضاً أبعاد في صناعة الخيال الثقافي سنتناولها في المقالة القادمة - إن شاء الله -.

8 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


انت اصيل يبو محمد ابن اصيل وكتاباتك فيها الاصالة المعاصرة.. لن ولم نتخلى عن اصالتنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا ولن تغيرها العولمة القادمه من الغرب يا اخي طالب مبتعث من نجران اخذ وسام الشجاعة في امريكا لانه انقذ عائله من الحريق هذا الطالب استمد تلك المغامره من بيئته وفبيلته في نصرة الجار وحقه عليه وحتى ولو كان الحريق والاستنجاد في الشارع لبادر في نجدته..


ابو مهند
ابلاغ
07:23 صباحاً 2008/06/05

 


ما ادري ايش اقول
مبدع كالعادة


فاضل
ابلاغ
09:57 صباحاً 2008/06/05

 


العزو إلى الأصل هو قيمة اجتماعية نجدها في كل مجتمع، إلا أن مدلولها في مجتمعنا في الجزيرة العربية يختلف عن غيره من المجتمعات الأخرى سواء كانت عربية أم أوربية.
فيقصد بها في تلك المجتمعات المرؤة والأدب والخلق والوفاء.. الخ. أما في مجتمعنا فإنها بالإضافة لما سبق فإنها تعني أن تلك الصفات الايجابية لا يتصف بها إلا أبناء القبائل!


ناصر العتيق
ابلاغ
12:45 مساءً 2008/06/05

 


يا دختور
بعد ما قال النبي عليه الصلاة و السلام اتركوها انها منتنة و بعد التطويل بالكلام في هادا الموضوع صار ما لو طعمه و لا لون و صار يوقف في الحلق
ياليت تغير هالموضوع علشان ما يصير فيه عناد لشريعتنا فالتفاخر يكون بالدين و بالامر بالمعروف و بالنهي عن المنكر لا بالاشياء التي ضد الدين و ضد شريعتنا الغراء فقط لا غير
و ياليت تكتب في مواضيع الفساد و الغلاء و الظلم التي تصادف المواطن ودمت بود


علي الغامدي
ابلاغ
01:33 مساءً 2008/06/05

 


الأخ ابو مهند،في برنامج في MBC عن حوادث الغرق والإصابات
وهناك ناس أمريكان بيض وسود تجد فيهم النخوة وإنقاذ ومساعدة المحتاج
فهل هؤلاء أيضاً عيال قبايل!!!
وبعدين ذكرت أن مساعدة الجار ونصرته إستمدها من قبيلته
وكأن غير القبيلي لايساعد جاره ويحمي عرضه !!وين تعاليم الدين العظيم
في حق الجار!


ابو راكان
ابلاغ
03:23 مساءً 2008/06/05

 


اليهود قالوا : إنا شعب الله المختار، والألمان قالوا العرق الآري هو أنقى العروق وافضلها، والأوربيون قالوا الرجل الأبيض هو الأرفع والأذكى. والعرب قالوا: العرق العربي هو العرق النقي الأرقى والفضل على الإطلاق.
إذن مالفرق بيننا نحن أمة الإسلام وغيرنا ممن لا ديانة حقيقة تهذب سلوكهم كالنصارى واليهود والوثنيين؟


ناصر العتيق
ابلاغ
03:39 مساءً 2008/06/05

 


كلامك يا دكتور حول الأصل الافتراضي
يؤكد لي حقيقة بأن الإنتماء القبلي بالجزيرة العربية
ليس محل تأكيد جازم
فالسقط التاريخي الذي حل بالجزيرة يؤيد أن إنتماء كثير من الأسر
محل تقدير فقط وليس قطعاً
وهناك قول عن النبي صلى الله عليه وسلم
يؤكد أن جميع الأنساب فيها إنقطاع إلا نسب النبي
ومع هذا فنسب النبي لا يحدد بعد عدنان


أبو ريان
ابلاغ
05:35 مساءً 2008/06/05

 


أخي العزيز أبو ريان
ينبغي التثبت عند نقل قول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن النقل عنه صلى الله عليه وسلم نقل عن شرع الله ؛ فلذلك كان الكذب عليه ليس كالكذب على أحد، فما ذكرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن جميع الأنساب فيها انقطاع فلم اسمعه ولم أقرأه إلا منك، فمن الذي رواه، وما مدى صحته وثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!
أما قولك ياعزيزي بأن الكثير من الانتماءات القبلية ليست قطعية وفيها خلاف فهذا حق ولاينكره أحد.


عبدالله بن خالد القحطاني
ابلاغ
07:55 مساءً 2008/06/05


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية