د. عبدالله محمد الغذامي
ليس صعباً أن نتصور الخلية البشرية الأولى التي تكونت على وجه الأرض وهي خلية من زوجين صار لهما أطفال من ذكور وإناث، حيث تعيش هذه الخلية الأولية في الفضاء الرحب وليس لعيشها حدود جغرافية ولم تتخلق أمامها فكرة الحدود وما تتضمنه من جمارك وجوازات وحراسات مشددة.
وكما أن ليس هناك من حدود فإن هذه الخلية أيضاً تعيش في فضاء ثقافي واحد، وكل رصيدهم المعنوي هو في إطار الواحد غير المتعدد، لغة واحدة ونظام معايش واحد، وظروف واحدة.
وفي أصل القصة الثقافية أن آدم عليه السلام كان في الهند بينما حواء كانت في جدة، وسار كل واحد منهما في طلب الآخر حتى تلاقيا في عرفة، وهو ما جعل عرفة تحمل هذا الاسم لكونها موطن التعارف بين الزوجين، ومن الواضح حسب هذه القصة أن آدم سار على قدميه واستعان بوسائل أولية لعبور الأرض من الهند حتى شارف مكة، كما أن من الواضح أنه لم يصادف رجال خفر الحدود ولا رجال الجوازات ولا رجال الجمارك، ومثله كانت حواء في حرية حركتها وتلقائية تصرفاتها.
كان هذا هو النموذج الأول لقيام نظام بشري، ولكن هذا الواحد التلقائي تحول إلى متعدد مع تناسل الذرية حيث تنوعت الألوان وتنوعت اللغات، وتعددت الأرصدة الثقافية، ومع التعدد هذا جاء حس بالتميز مصدره اللون واللغة والثقافة، وهو تميز يتجاوز الأصل النموذجي الأول أي الأصل الفطري، ويجنح كبديل للأصل الفطري إلى أصل ثقافي افتراضي يحاكي به نموذجاً استعلائياً مبكراً، هو ما ورد في قصص أصل الخليقة حيث سعى إبليس إلى تمييز نفسه وجنسه مفضلاً ذاته على آدم وذلك بالإحالة إلى الأصل في التكوين حيث ادعى إبليس أن النار أشرف من الطين ولذا يتفوق المخلوق الناري على المخلوق الطيني ويكون هو أرقى من آدم حسب هذه المبارزة الثقافية التي تحيل إلى الأصل وتركن إليه.
تلك مقولة ثقافية مبكرة صار له دور خطير في المتصورات الذهنية الثقافية في سيرة الثقافات بعد ذلك، وكلما تحولت الثقافة من توحدها إلى تعدد صيغها صاحب ذلك حس بالتميز، وقع ذلك في المذاهب الدينية مثلما وقع في الصيغ الثقافية اللغوية والعرقية وسحنة البشرة.
والدين - أي دين - هو في أصله واحد ثم تتعدد شعبه ومذاهبه حتى ليتصور كل أصحاب شعبة من هذه الشعب أنهم خير وأزكى من الشعب الأخرى، وكلهم تفريعات تحيل إلى أصل واحد، لكن التفريع يتناسى المبدأ الواحد وينغمس في شرطية التفريع، ومثل ذلك هي اللغات حيث الأصل واحد وتتنوع اللغات منحدرة من تنوع اللهجات حتى يمر على هذا التفريع زمن كاف للانفصال التام بين ما هو لهجات وما هو أصل لغوي ويتبع ذلك حس بالتميز كتميز الناري على الطيني.
ونحن هنا أمام نوعين من الأصول، أحدهما الأصل الفطري ويمثله المنشأ الواحد، وهو أصل طبيعي عام ولا تتميز فيه، والثاني أصل افتراضي يقوم على إعمال عناصر الاختلاف وجعلها ميزة وليست مجرد سمة تكوينية، وبما أن آدم مخلوق من طين وإبليس مخلوق من نار، فهذا يعطي مفتاحاً للدعوى بأن للاختلاف مغزى ثقافياً يختلف عن الشرط الطبيعي ويمنح فرصة للادعاد بالتمايز، ومثله يأتي اللون حيث يجري تمييز تفريعي بين الأشقر والأصفر والأسمر والأسود، ويتوارى الوعي بالسبب الظرفي والطبيعي ويحل محله تصور ثقافي بالتميز. وهنا يلعب الأصل الافتراضي دوراً خطراً في تناسي الأصل الفطري وإحلال أصل بديل تصنعه الثقافة.
لذا صار مفهوم الأصل معنى جوهرياً في أي ثقافة وعند أي مجموعة بشرية، وأنت لو ذهبت إلى مدينة كبرى كالقاهرة مثلاً فستجد كلمة الأصول وأبناء الأصول من أهم مفردات الحديث بين الناس إيجاباً أو سلباً وكلما ذم الناس شخصاً على تصرفه وصفوه بأنه ليس من أبناء الأصول وماعنده أصل. وهي كلمة تحيل إلى المنظومة الأخلاقية الافتراضية في السلوك، وتمثل هذه المنظومة الافتراضية حالة من التوقع الدائم والتمثل المنتظر، وعدمها يجلب الذم.
وستجد للكلمة مرادفات مدنية كثيرة من مثل أبناء الحارة وأبناء العوائل والحمولة هي كلها مصطلحات مدنية تجدها في مكة مثلما تجدها في الرياض والدمام، وهي تقابل ا تراه في ثقافة القبيلة من تصور عن رصيد معنوي يتوارثه الجيل عن الجيل ويتسمى به الأفراد والجماعات، وستجد له مرادفاً شعبياً وثقافياً حتى في أوروبا وأمريكا حيث تتردد كلمات من مثل مانرز، ومن مثل القيم العائلية، ومن مثل مفهوم الجنتلمان عند الانجليز أو مفهوم الحلم الأمريكي لدى الأمريكيين.
هو شعور كلي يعود وجدانيا إلى مرجعيات مفترضة تقيم من شأن الرصيد المعنوي لكل فئة، ولكنك ستجد أن منظومة القيم هي إياها على الرغم من تعدد الدعاوى حولها، وهي قيم أخلاقية كلية في الوفاء والأمانة والصدق والكرم والحمية وما يسمى عموماً بالاستقامة والنزاهة حسب المصطلح الأخلاقي البحت.
كلمة الأصول هي مخترع ثقافي لاحق وبما انه لاحق فقد تحول إلى لازمة وجدانية، ويحسن أن نتذكر هنا ما قلناه من قبل عن كتاب أمين معلوف (أصول) حيث راح ينبش في ذاكرته باحثاً عن أجداده الذين تحولوا إلى ذرية له وبدلاً من كونه مولوداً فطرياً لهم تحولوا في سطور كتابه ليكونوا أطفاله وليصنع من تذكارهم رصيداً معنوياً يعيش على نوازعه وهو في غربته الباريسية.
يحتاج المرء إلى أصول يحملها في داخل وجدانه ويخترع لها مسميات من مثل القبيلة، والعائلة، ولقد سمى معلوف أهله بالعشيرة مستمداً المصطلح التقليدي للحمة الأولية ويعطي الأصول سمته العرفية بكل شروطها التقليدية، مع أن عائلته لا تحمل سمات القبيلة بما إنها عائلة مدنية ولكن كلمة العشيرة تغني لغته بمدلولاتها المشبعة وتعطي الترحال العائلي معنى أزلياً وخلفية ثقافية سريعة التفاعل في ذهن الكاتب نفسه وفي أذهان قرائه من أجل خلق حس قوي بالأصول.
ولكن الأصول وهي قيمة وجدانية تتطلبها الحالة الثقافية البشرية فهي أيضاً عبء كبير ومسؤولية خطرة أحياناً، ولذا صار من نظام القبائل إيقاف النسب عند الجد الخامس، من أجل تقليل عدد المنتسبين للشجرة، وذلك لأن النسب مسؤولية قسرية في حالة وجود الدم والثأر، وكلما حصرت الشجرة تم حصر هذه المسؤولية، وذلك بتحمل الدية التي يدفعها مجموع أبناء الجد المشترك أو بأخذ الثأر من أحد ذرية هذا الجد الجامع لهذه الفئة، وكلما قل العدد انحصرت التبعات.
وللأصول أيضاً أبعاد في صناعة الخيال الثقافي سنتناولها في المقالة القادمة - إن شاء الله -.