بحث



الخميس 1 جمادى الآخر 1429هـ -5 يونيو2008م - العدد 14591

عودة الى سينما

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الجمال لعبةٌ في يد "غوس فان سانت"

رجا ساير المطيري
    يخيل لي أن المخرج الأمريكي "غوس فان سانت" قبل أن يصور فيلمه الأخير (بارانويد بارك - Paranoid Park) قد تمثل روح الرواية اليابانية (حزن وجمال) فكانت النتيجة فيلماً جميلاً جمالاً فائقاً، يبعث في النفس حسرة، ورغبة في البكاء، ليس لأن قصته حزينة، بل لأن الجمال في حد ذاته مؤلم، والنفس حين ترى الجمال الطاغي لا تملك إلا الحزن ليقينها بأنها لا تستطيع امتلاكه وبأنه مهدد بالزوال وفي طريقه إلى التلاشي. وفي (بارانويد بارك) يقدم لنا "غوس فان سانت" هذا النوع من الجمال القاهر، بصورته وصوته وموسيقاه وبممثليه أيضاً، ويتركنا في النهاية نتنهد حسرة؛ حتى لو لم نكترث للقصة نفسها ولا للأحداث التي تحرك الشخصيات.

في هذا الفيلم كما في أفلامه السابقة، يذهب "غوس" إلى العناية بالصنعة الشكلية على حساب المضمون الذي قد يكون جيداً ومؤثراً لكنه لا يحتل الاهتمام الأول. وهذا متوقع من فنان تخرج ابتداءً من مدرسة للتصميم وبدأ حياته الفنية مرتبطاً بالصورة الجميلة وبالشكل الجميل في كل الأنواع الفنية التي مارسها بدءاً من كتابة الرواية إلى التأليف الموسيقي إلى التصوير.. وأخيراً الإخراج السينمائي. فارتباطه بجمال الصورة واضح منذ أن قدم فيلمه الأشهر والأنجح (غود ويل هانتنغ) عام 1997ثم مع أفلامه التالية (جيري-Gerry)، (الأيام الأخيرة-Last Days) و(الفيل-Elephant) التي خرج فيها عن النمط الهوليودي التقليدي متجهاً نحو الممارسة الفنية الخالصة التي تعلي من شأن القيم الجمالية وتقدم الأسلوب والشكل وصناعة الفضاء البصري على المضمون. ومادام "غوس فان سانت" جميل يحب الجمال فمن الطبيعي أن يحظى باهتمام مهرجان (كان) السينمائي وأن يحصل على جوائزه الكبرى، وقد بدأ ذلك عام 2003عندما حاز السعفة الذهبية عن فيلم "الفيل"، ثم حصل في العام 2005على ترشيحٍ للسعفة عن فيلم "الأيام الأخيرة" الذي كان بلا معنى ويمكن اعتباره أضعف أفلامه، ثم كان حضوره المميز مع (بارانويد بارك) عام 2007في الدورة قبل الماضية والتي نال فيها ترشيحاً للسعفة وجائزة الدورة الستين الخاصة.

يحكي فيلم (بارنويد بارك) قصة تبدو من الظاهر بسيطة خالية من التعقيد، عن شاب يحاول أن يُبعد عن نفسهِ شبهة ارتكاب جريمة قتل غامضة حصلت في محطة القطار القريبة من ساحة التزلج التي يقضي فيها وقتاً طويلاً لمشاهدة رفاقه المتزلجين. هذا الشاب يدعى "أليكس" يعيش مع أمه المُطلّقة ولا يرى والده إلا في مناسبات نادرة ويحب إحدى زميلاته في المدرسة وهي تبادله الحب أيضاً.. مع ذلك هو يتساءل عن جدية علاقته وهل هذه الفتاة الجميلة المتيمة به هي فعلاً من يبحث عنها ومن ترتاح لها نفسه؟. هذا السؤال الثقيل يخترق روح "أليكس" ويختلط مع مخاوف أخرى مصدرها زيارات أفراد الشرطة للمدرسة من أجل التحقيق في جريمة القتل.

شبهات الشرطة تدور حول كل من ارتاد ساحة التزلج المسماة "بارانويد بارك" بمن فيهم "اليكس" الذي لم يجد أمام الضغط النفسي سوى أن يمسك بقلمه ويوثق تفاصيل ليلة الجريمة مفرغاً مشاعره الحميمة في مذكرات يكتبها لشخص لا ندري من يكون. وهذا هو جوهر الفيلم ببساطة، مجرد شاب يريد أن يهرب من شبهة الجريمة، لا أكثر ولا أقل، وهي كما تبدو، من ظاهرها، قصة خالية من التعقيد، لكن "غوس فان سانت" يحيلها إلى شيء أعمق من مجرد جريمة قتل، فبأسلوبه الخاص جعلها تحكي قصة الكبت والاختناق وعدم القدرة على التواصل، فهذا الشاب الحائر عندما كتب مذكراته لشخص مجهول فذلك لأنه لا يجد إنساناً قريباً يشكو همه إليه، فلا الوالدين قريبين منه يمكن أن يبوح لهما بمكنونات نفسه، ولا صديقته الجميلة تشاركه اهتمامه ونظرته للحياة، لذلك هو غريب في هذه الدنيا يمضي وحيداً بلا أنيس يفهمه.

والذي فجر هذا المعنى ليس الحكاية في حد ذاتها، بل أسلوب "غوس" في التعبير عن الحكاية، فنراه يُشَكّل الصورة، ويغير في اللون، ويعبث في الزمن بين حاضر وماضي، ويتحكم في الإيقاع، وفي حركة الممثلين، ليصل إلى أقصى درجات الجمال.. والكمال. وكأنه قد غاص في داخل الصورة وسكن في وسطها ثم نظر إلى أعلى وأسفل الإطار فاختار الألوان المناسبة للفضاء المحيط ثم حرك شخصياته لتجلس في مكانها وسط الصورة، منسجمة مع لون الفضاء، ثم اختار الموسيقى التي تعزز من حضور الجمال أولاً ثم تؤكد المعنى المطلوب؛ في تحكم مدهش بمكونات الصورة. وقد تجلت دقة التعبير البصري في المشاهد التي يحاور فيها "أليكس" والديه من دون أن نرى وجهيهما، وكأن في ذلك تأكيد لغربة الابن ولابتعاد أبويه عنه، فهو قريب منهما، ويتكلم معهما، لكنه لا يعرف من يكونان فعلاً وهما لا يعرفان من يكون. واللحظة الوحيدة التي ظهر فيها "وجه" الأب واضحاً صريحاً هي تلك اللحظة الحميمة والصادقة التي اقترب فيها الأب من هموم ابنه.

"غوس فان سانت" يفضل الأفلام ذات الميزانية المنخفضة لأنها بحسب ما يقول "تمنح الفنان حرية أكبر.. فالمال القليل يعني أن المنتج لن يحاسبك على كل صغيرة وكبيرة". ولعل هذا يتأكد في "بارانويد بارك" الذي يبدو أنه صُنع بارتياح كبير، فكل لقطة، وكل صورة منه، صُنعت بدقة وإتقان من قبل فنان يستمتع بفنه، ويتنفس لحظته، حتى اختيار الممثلين كان ملائماً لإحساس الجمال العام الذي غلف الفيلم، فالممثلون المغمورون، وفي مقدمتهم بطل الفيلم الذي يمثل للمرة الأولى، كانوا كاملين بلا عيوب، كما لو أنهم أبناء "فينوس" ربة الجمال. وقد نجح "غوس" بهذه المكونات أن يصل إلى أقصى درجة جمال ممكنة، انطلاقاً من قصة بوليسية عادية، تحولت إلى جمال مطلق.. مؤلم.. بعد أن غُمست في العسل!


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى سينما

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية