ملكُ الحكمة.. والحوار..
الملك عبدالله يقدم كل يوم فعلاً مهماً داخلياً، وخارجياً، وهو شخصية يقودنا إلى مصادر الثقافة والعلوم والأعمال الإنسانية، بما فيها الحوار كحل للإشكالات في خلافات الشعوب والأمم، وكبديل لنشر البغضاء والعداوات، لأن الحوار فعل حضاري، وخاصة في الأمور الدقيقة والحساسة التي لا يمكن تجاوز إرثها التاريخي إلا بفهم الآخر، وتحليل مواقفه وأفكاره، بما فيها قناعاته وارتباطه بها..
المؤتمر الإسلامي للحوار الذي يشهده خادم الحرمين الشريفين، يعتبر ضرورة ونقلة خاصة بين طوائف، ومذاهب كل المسلمين، لأنه بدون بناء جسور الفهم والتفاهم، والالتقاء على رابط يوحد هذا العالم الكبير، والعقيدة، العظيمة، فإننا نبقى رهن واقعنا المعقد والصعب، ثم إننا، في ظرفنا التاريخي، الحديث لا بد أن نواجه أنفسنا بالحقائق والشفافية، وعن ما هي الصورة التي تجمعنا، والسلبيات التي تفرّقنا، وكيف يرانا الآخر بمنظاره الخاص؟
نعم بيننا خلافات نشأت من خلال تراكمات تاريخية، وقد عجزنا عن توحيد إرادتنا وحل تناقضاتنا الفقهية، والمذهبية، في الوقت الذي لا نجد مبرراً يرفع سقف القطيعة والتنافر، إذا كانت الأهداف تتلاقى على أننا في حزام واحد تجاه أعدائنا، وأنه يجب أن نوحد إرادتنا على الوضوح، ومعالجة السلبيات بروح منفتحة بما في ذلك ما يعتبره البعض سدوداً تجاه الآخروذلك لأن المعركة مع العالم الخارجي، الذي لا يدين بالإسلام، ويمتلك قوى كبيرة علمية واقتصادية وعسكرية تجعل موقفنا أكثر ضعفاً خاصة في مواجهات غير متكافئة..
فالملك عبدالله، الذي وازن في سياسات بلده تجاه الأحداث الساخنة، يجد أن العمق الإسلامي هو القوة الرائدة، لكن هذا الجمع الكبير المتنوع الخصائص الجغرافية والسكانية والمذهبية عجزعن أن يصوغ مشروعه الداخلي، ليس فقط بالتراضي، والحياد عن بعض القضايا، وإنما بمواجهتها بعقل المسلم، المنفتح على كل الثقافات والتيارات، بما فيها الجدليات الحضارية التي أصبحت ميدان السباق بين الشعوب والأمم..
فرفضنا لبعضنا أدخلنا في إشكالات عديدة، وبدلاً من توسيع دائرة الحوار، نشأت القطيعة ليدّعي كل طرف أنه يملك الحقيقة، وهذا السلوك بعيد تماماً عن الإسلام، ونشأته وتطوره وتمدده العالمي، والذي لا يزال يكتسب في الساحات الدولية مؤيدين فاعلين، رغم كل الحملات والتشكيك، وإذا كان هذا الدين العظيم برسالته لكل البشر قادراً على أن يستوعب العقول والأفكار، فإننا أمام أمانة كبرى بأن نجعل روابطنا فوق ما أصبحنا نعيشه من حروب داخل أبناء العقيدة الواحدة، والدين المشترك..
لقد حاول مخلصون في مراحل التاريخ الإسلامي إصلاح شأن هذا العالم، وهي دعوات تنطلق من بدهيات الثقافة الإسلامية، وسلوك الإنسان المسلم، والملك عبدالله الذي يقود هذا التجمع الكبير من أجل لقاء إسلامي مفتوح على كل فضاء وفي أطهر بقعة، إنما يضع علماء ورجال المسلمين أمام مسؤولية تاريخية لا يمكن تجاوز سلبياتها إلا بحلول تنبع من هذا العالم، وبخلق وإيمانٍ، بعيدين عن أي تصنيف يفرّق المسلم عن أخيه..
فالإسلام طاقة جبارة استطاع أن يصوغ العقل، ويحرره من الخرافة والأفكار المدمرة، وفي عصرنا الراهن نحن الأحوج إلى ترسيخ منهج الفهم بيننا، وهنا لا نريد القفز على الواقع، لأن المسافات التي قطعت الطرق بين المسلمين تحتاج إلى ترميمٍ وتوسع وهما الخيار الطبيعي لغلق أكثر من ثقب أسود في فضائنا الإسلامي..