الساحة العربية تعجّ بالمفاجآت، تقلبات سياسية، مواقف متباعدة، انغلاق وانفراج في المواقف، تحديات إسرائيلية، وإقليمية أخرى، وضغوط أمريكية تتدخل في الخصوصيات الوطنية، وتحاول فرض السير معها بمن تحاربه، أو تقرّبه، والدول الأخرى تتعامل مع العرب بدرجات حرارة مرتفعة، أحياناً وتحت الصفر أحياناً أخرى، وهذا التطور السلبي والإيجابي، له دلالة أن المنطقة محور حركة سياسية، واقتصادية يتلاقى عليهما الموقع، والإمكانات، والصراعات الدائمة التي لم تجد لها الحلول المقبولة بين كل الأطراف، ومن هنا جاء التعامل معها وفق طقوس الحرارة والبرودة..
نعم توجد خلافات داخلية في الدولة الواحدة والمَشَاهد كثيرة، داخل السودان وفلسطين، والعراق، والبلد شبه المنسي الصومال، وأيضاً في اليمن ولبنان وغيرها، ومع ذلك فالصورة إذا كانت رمادية، فالأسباب عديدة لا تقبل التبرير، لأنه، بالمقابل، توجد أيضاً زوايا مغلقة بين بلد وآخر، والنتيجة أن الواقع فرض نفسه، لكن بدون أن يواجه العرب أنفسهم بجدلية المصالح ووضوح الرؤية، وشجاعة الطرح..
وإذا ما عرفنا أن مثلث مصر، السعودية، سورية، كان فاعلاً في القضايا العربية والخارجية،فإنه حتى بعد خروج سورية عن الشريكين، فالجميع لا يحبذ التصعيد أو العودة إلى الحرب الباردة العربية التي طالما جلبت خسائر وفشلاً سياسياً لاحَق كل الدول، وفي الأجواء الراهنة هناك محاولات لكسر ظاهرة الخلافات الناشئة، لكن قبل التسويات القابلة لعودة التباين في الأفكار والآراء، لابد من تحليلٍ للأسباب التي تحدث فيها حالات التباعد..
لبنان كان مصدراً لانفصام العلاقة بين دمشق، وكلّ من السعودية ومصر، وبصرف النظر عن وجهة نظر كل دولة، فلبنان بلد عضو في الجامعة العربية والأمم المتحدة وليس من المنطقي أن يوضع على دوائر الصفقات إقليمياً وعربياً من خلال فئات داخلية تمثل وجهات نظر تلك الدول، بنفس الوقت ليس من المنطقي، ولا حتى الأخلاقي أن يوضع العراق على دائرة النزاعات بين محتل ودول عربية تحاول أن تخلق مآزق للوحدة الوطنية العراقية،، وتتجاهل تجاذباته مع إيران، التي حدّدت سقفاً معيناً للتعامل مع أمريكا بأن يكون هو صفقة أخرى تضاف إلى لبنان لتضيع هويته بين متحاربين باسم قوى تسعى لتمزيقه..
لقد كنا نتحارب إعلامياً بأسماء وشعارات خارجية، وحتى الآن هناك من ينظر، بريبة، إلى دولة عربية ما تسعى لتحل شفرة العقدة العربية، من الدولة الجار، أو ما يصطلح عليه بالشقيقة، وتبرز علامات غريبة عن الدوافع والمحركات وبأن أصابع دول خارجية هي التي تدفع بالوسطاء أو العاملين بإصلاح الشأن العربي إلى هذا الفعل..
وإذا كنا لا نملك إرادة التغيير، والفهم المتبادل، و التعالي على خلافاتنا بأنصاف الحلول، فمبررٌ أن يوجد دخيل آخر في أي عمل عربي، نحن فقط من يجلبه إلى ساحاتنا السياسية ومن اللافت أن السعودية ومصر في جهودهما غلق منافذ الرياح الساخنة، حاولتا أن تكون أساليب معالجاتهما للقضايا بدون إثارة الزوابع، أو الاتهامات، لأن دروس تلك المدارس باتت لا تصلح لهذا الزمن، وحتى نقف على خط متساوٍ مع قضايانا، فليس من المصلحة أن نتوارى عن الحقائق، بتبرير ما يناقضها، ويكفي أنه لو تحققت عودة الجولان، ومزارع شبعا لاحتفل كل العرب بإنجاز هذا السلام، وهو أمر طبيعي إذا ما أدركنا أن العلاقات الإيجابية هي الأمر الطبيعي، وما يناقضها أن تستمر القطيعة ويكون السبب غير مبرر..