شبعتُ. بل تشبعت من اللقاءات الإعلامية والندوات ومعارض الكتب. وشبعت من الجمهور ومن المحبة والثناء، وأعلنتُ ذلك من خلال رفضي لهذه الحفلات، أو من خلال شروط تعجيزية مادية ومعنوية وتنظيمية لمن يود استضافتي، وفي هذه العزلة الحميمة جاءني طلب من مصر من المركز الثقافي المصري بباريس تحديداً، لندوة عن الأدب العربي المكتوب بالفرنسية بإدارة الناقد والأستاذ الجامعي السوري علي ابراهيم وبصحبة الكاتب المغاربي كبيرعمي.
كان اللقاء عذباً مثل مصر، والحضور مضيئاً وحراً ومتعدداً مثل فرنسا. سئلت لماذا الكتابة بالفرنسية.؟ قلت لأني لا أجيد اللغة الصينية قلتها لأن السؤال كان مشحوناً بالعروبة الاستثنائية التي لا مثيل لها في كل القوميات.
أما صديقي المغاربي فقال إنه عربي لكنه ليس عربياً عندما يكتب، ولا يقول لنفسه في كل جملة أنا عربي.
وقلت إن لغتي الفرنسية ليست لغة ساركوزي ولا جان ماري لوبين. وقال صديقي كبير إن فرنسيته ليست الفرنسية السائدة. إنها فرنسية مصفاة ابتدعها هو ليشهر نفسه.
كان بين الحاضرين امرأة تدعى "نجمة" تحدثت تعليقاً على الندوة بفرنسية مدهشة. ليست بعيدة عن رواية "نجمة" لكاتب ياسين. وأردفتها بعربية ما سمعنا مثلها أبداً. أي عربية هذه التي تجيدينها يانجمة؟ سألتها بعد الندوة. قالت إنها أستاذة للعربية في معهد اللسان، وهو المعهد الذي أنشأه الكفيفان الجزائريان عبدالغني ومحمد. وكانا بين الحاضرين. التقيت بهما فيما بعد. كل منهما أقرب إليك من الآخر. وكل منهما يراك ويرى العالم في أرقى حالات الضوء. ليس فيهما عتمة ولا في طريقهما عتمة ولا في أحلامهما عتمة ولا فيما أنجزاه عتمة.
كانت البداية معهداً لتعليم العربية. وأي عربية. فكل منهما يجيد هذه اللغة كما كان يفعل طه حسين. أسمياه معهد اللسان وتحول بفعل طموحهما الى دار نشر ومركز أبحاث وأصدرا مجلة اللسان الحر.. مجلة راقية منفتحة على الاتجاهات والآراء.، وتعاقدا مع كبريات الشركات الفرنسية ووسائل الإعلام الكبرى لتعليم بعض كوادرها اللغة العربية. وأصبح المعهد الآن جامعة تحوي الكثير من التخصصات، وفي الطريق أحلام كبيرة بل انجازات يصنعها هذان الشابان بأعين ترى ما لا يراه المبصرون كشفا لي عن مشاريعهما التي تتحقق دون تعثر، وعن أن "نجمة" من أصول بربرية "قبائلية".
قلت لهما : ياليتنا كنا عرباً مثل نجمة. وأضفت ليس من رأى مثل من سمع.