بحث



الجمعه 25 جمادى الأولى 1429هـ - 30 مايو 2008م - العدد 14585

عودة الى الأنظمة والمحاماة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


لا يجوز مخالفة النظام .. ولكن ما هو النظام؟

محمد بن عبدالله السهلي
    يذهب أحد المواطنين إلى مقر أحد الجهات الحكومية لإنجاز معاملة ما، وهو يعتقد أنها مستوفية للشروط المطلوبة، فيخيب ظنه برد من الموظف الحكومي بقوله أن (النظام لا يسمح) أو (هذا مخالف للنظام) أو (لا يمكن تجاوز النظام)، وحين يسأله ما هو النظام قد يجيبه بإجابة عامة أو لا يجيبه مكتفياً بالقول النظام وحسب، وعندها يقفل عائداً إلى منزله وهو لا يدري ما المقصود بالنظام على وجه الدقة، وقد يعتقد جهلاً منه أن كل ما يقوله هذا الموظف هو الحقيقة، في حين أن الأمر خلاف ذلك.

الفرضية السابقة تتكرر يومياً وبصور وطرق مختلفة بشكل مباشر أو غير مباشر، ومرد كل ذلك هو عدم معرفة المقصود بالنظام.

تطرقنا في الأسبوع الماضي إلى مسألة أهمية نشر ثقافة الحقوق والواجبات أو الثقافة القانونية، وأوردنا عدة وسائل يمكن معها نشر هذه الثقافة بين أفراد المجتمع، واستمراراً لهذا النهج، نسعى في ثنايا هذا الموضوع لإجابة على مفهوم النظام بأسلوب مبسط قدر الإمكان.

نوضح في البدء أن مصطلح (النظام) في هذا السياق هو المصطلح المرادف (للقانون) في الدول الأخرى وحين نسمع عبارة مخالفة النظام فالمقصود به حتماً مخالفة القانون، ففي المملكة درجت العادة على المستوى الرسمي على استعمال كلمة النظام بدلاً من القانون، ولذلك خلفية تاريخية ذات بعد ديني مردها الحذر والخشية من استعمال كلمة القانون، والتي قد تعني القانون الوضعي وبالتالي الحكم بغير ما أنزل الله، وهو حذر في غير محله لإن الأمر لا يجب أن يقتصر عند المسمى بل إلى المضمون، فالمعيار في النهاية هو مطابقة مضمون ومحتوى القانون أو النظام لأحكام الشريعة الإسلامية من عدمه، لذا جاء استعمال مصطلح (النظام) كحل أسلم، ودون التوسع في ذلك يمكن تعريف النظام (القانون) بأنه "مجموعة القواعد العامة الملزمة المجردة المقترنة بالجزاء والمنظمة للسلوك في المجتمع" وهذه القواعد الملزمة تنظم سلوك الأفراد في المجتمع سواء كان مصدرها أحكام الشريعة الإسلامية أو السلطة التشريعية. ويهدف النظام في إطاره العام إلى تحقيق العدل والمساواة بين أفراد المجتمع من خلال كفالة حقوق الأفراد ومصالحهم الخاصة مع مراعاة المصلحة العامة والتوفيق بينهما بما يحقق خير المجتمع كله.

والنظام في المملكة كأي نظام قانوني في العالم، يقوم على مبدأ (تدرج القاعدة القانونية) ويقضي ذلك بعدم مخالفة القاعدة القانونية الأدنى للقاعدة القانونية الأعلى، والتدرج القانوني في المملكة على النحو التالي:

- أحكام الشريعة الإسلامية.

- النظام الأساسي للحكم.

- الأنظمة العادية.

- اللوائح.

- القرارات الإدارية والتعليمات والتعاميم.

ومن البديهي القول بسيادة أحكام الشريعة الإسلامية على جميع الأنظمة في المملكة، فأحكام الشريعة تعلو ولا يعلى عليها. وتستند السلطة التشريعية في مرجعيتها على سن القوانين إلى فكرة السياسة الشرعية. ولا يجوز صدور أي نظام (قانون) مخالف لإحكام الشريعة الإسلامية. ويعد النظام الأساسي للحكم الصادر عام 1412ه دستوراً للمملكة من الناحية القانونية الفنية، وتصدر جميع الأنظمة واللوائح متوافقة معه، ويليه في الدرجة الأنظمة التي تصدر بموجب مرسوم ملكي بعد موافقة مجلسي الشورى والوزراء عليه، مثل نظام العمل، نظام العلامات التجارية، نظام الخدمة المدنية وغيرها. وتجدر الإشارة هنا أن مجلس الوزراء في المملكة يمارس اختصاص سلطتين معاً هما السلطة التشريعية (التنظيمية) بمشاركة مع مجلس الشورى، واختصاص السلطة التنفيذية وهو الاختصاص الأصيل له.

ويلي الأنظمة في التدرج القانوني، اللوائح وتنقسم إلى (تنفيذية - تنظيمية - الضبط) فإذا كان الأصل أن الحكومة (السلطة التنفيذية) مهمتها تطبيق وتنفيذ الأنظمة (القوانين) الصادرة من السلطة التشريعية، إلا أن الضرورات العملية تقضي بمنح السلطة التنفيذية صلاحية سن بعض القواعد القانونية في حدود معينة ويطلق عليها (اللوائح). فالنظام غالباً يصدر متضمناً للمسائل الرئيسية وتكون مواده في شكل موجز أما المسائل الفرعية التفصيلية فتكون في اللوائح وتصدر من الوزراء كلاً فيما يخصه بعد أن ينص على ذلك في النظام، والحكمة من ذلك هو أن السلطة التشريعية قد لا تكون لديها الوقت الكافي لمناقشة كل هذه التفاصيل كما لا يكون لديها الخبرة الفنية والإمكانات اللازمة لتنظيم هذه المسائل الفرعية، مثلاً في نظام العمل، تنص المادة (243) منه على ما يلي "يصدر الوزير القرارات واللوائح اللازمة لتنفيذ أحكام هذا النظام خلال مائة وثمانين يوماً من تاريخ العمل بهذا النظام، وتنشر اللوائح التنفيذية في الجريدة الرسمية". ولا يجوز أن تصدر أي لائحة مخالفة لأحكام النظام الذي يعلوه درجة.

ويلي اللوائح وفي أدنى درجات التدرج القانوني القرارات الإدارية والتعاميم التي تصدر من مستويات مختلفة في الهرم الإداري. والسلطة الإدارية تُمارس داخل التنظيم الإداري من خلال تدرج المسؤوليات والصلاحيات من أعلى إلى أسفل حيث يتم توزيعها على مجموعة الموظفين داخل الجهاز الإداري حسب الفئات أو المستويات، وتختلف كل فئة عن الأخرى في الاختصاصات والصلاحيات التي تتمتع بها، وتتحدد قيمة التصرفات القانونية لموظف ما وفقاً لمركزه الوظيفي في التنظيم الإداري. لذا تمارس السلطة الإدارية في مختلف درجات الهرم الإداري ولكن بنسب متفاوتة بالطبع، والسلطة الإدارية تعني الحق القانوني في التصرف وإصدار الأوامر بالشكل الذي يحدده النظام، لذا لا يمكن صدور قرار إداري من أي درجة وظيفية مخالفاً للائحة التنفيذية مثلاً. والسلطة في حد ذاتها ليست الغاية -حتى وإن كان الواقع العملي يشير في حالات كثيرة إلى غير ذلك مع الأسف الشديد- وإنما هي الوسيلة لتحقيق الأهداف التي من أجلها انشئ الجهاز الإداري وذلك طبقاً لما نص عليه نظام إنشائه. كما أن السلطة ليست امتيازاً شخصياً بل هي واجبات ومسؤوليات تقرر لشاغل المنصب أو الوظيفة بصفته لا بشخصه، ومن ثم فإن ممارستها مقصورة على استهداف تحقيق المصلحة العامة. وممارسة السلطة الإدارية في نهاية المطاف مقيدة طبقاً للأنظمة واللوائح.

وبعد معرفة المقصود بالنظام، ومبدأ تدرج القاعدة القانونية، والسلطة الإدارية فما أحوجنا إلى تثقيف المجتمع قانونياً من خلال تذكيره بالحقوق يتمتع بها والواجبات الملقاة عليه، وحرياً بكل جهة حكومية وخاصة التي تقدم خدماتها للجمهور بشكل مباشر أن تصدر مدونة تتضمن جميع الأنظمة واللوائح والقرارات الإدارية والتعاميم التي تمس مصالح الجمهور، وتكون في متناول الجميع، فهي ليست سراً على الإطلاق، كما نتمنى إيضاً أن يحتوي كل موقع حكومي إلكتروني على جميع الأنظمة المتعلقة وهو ما بدأنا نلحظه في كثير من المواقع الحكومية. كما لا يمكن إعفاء الأفراد من مسؤوليتهم في السعي للتثقيف الذاتي لمعرفة حقوقهم وواجباتهم التي نصت عليها الأنظمة، فكما هو معروف لدى أهل القانون فإنه (لا يعذر أحد بالجهل بالقانون).

@ باحث قانوني

maalsahle@alriyadh.com

7 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


نعم ما هو النظام الذي لا يجوز مخالفته
أشكرك كثيرا، أستاذ محمد


كمال مصطفى - القاهرة
ابلاغ
02:38 مساءً 2008/05/30

 


نعم..ما هو النظام ؟!
،
شكراً للأستاذ محمد السهلي هذا المقال الذي يتجه لتدعيم ثقافة القانون في المجتمع.
وأستغل الفرصة لدعوته للمشاركة مع نادي القانون في جامعة الملك سعود، للمساهمة في التثقيف الحقوقي للمجتمع.
وهذا هو رابط الموقع ( www.ksulc.com).


أنس-نادي القانون
ابلاغ
06:17 مساءً 2008/05/30

 


اقتباس "السلطة في حد ذاتها ليست الغاية -حتى وإن كان الواقع العملي يشير في حالات كثيرة إلى غير ذلك مع الأسف الشديد- وإنما هي الوسيلة لتحقيق الأهداف التي من أجلها انشئ الجهاز الإداري "
ياليت قومي يعلمون...اشكرك اخ محمد، فعلا مقال يهم اي مواطن، اما الثقافة بشكل عام للأسف ضحله في مجتمعنا ناهيك عن الثقافه القانونية..وأيضا قل من يتطرق لهذا الموضوع بالرغم من اهميته. فكما تعلم اخي الكريم ان للإعلام دور كبير في تثقيف المجتمع بما له وما عليه.. شكرا مرة اخرى,, وعساك على القوة


محمد
ابلاغ
06:23 مساءً 2008/05/30

 


شكراً لك يا اخ محمد...
واتمنى ان يقرأ هذا المقال كل مسؤول تنفيذي في الدوائر الحكومية الخدمية والمتعلقة بمقابلة جمهور المواطنين.
فتجد بعض الدوائر المحترمة تستقبل المراجع بعرض لافتات توضح جميع التعليمات والمعلومات المطلوبة لإنجاز معاملته وخط سيرها وقبل ذلك ستجدها في موقعهم الإلكتروني، وأن لم تجد مبتغاك فسيقابلك موظف مختص بالإبتسامة أولاً.
ولكن كل ماسبق وعلى بساطة تطبيقه إلا انه من النادر ان تشاهده !!!


مرسال
ابلاغ
11:18 مساءً 2008/05/30

 


ماشاءالله عليك الله يكثر من امثالك ونشوف كتاباتك في مجلة النرجس قريبا


ابوفيصل وطلال
ابلاغ
12:43 صباحاً 2008/05/31

 


شكراً لك اخي الكريم
ابو عبدالله
فعلاً يجب على الموضف اعلام المراجع بالنص الذي تمت مخالفته
او يخشى من مخالفته
ولكن قد استفح الجهل القانوني في الكثير من الادارات حتى انهم يتبعون اعراف اداريه معتقدين بأنها نصوص نظاميه
من الطريف انه في سابق الزمان اردت شراء نظام من المطابع الحكوميه
فرفض الموضف و قال ممنوع ولم اعرف هل قالها تصريف ام جهل و اعتقاد بان الانظمه ذات صبغه سريه
تقبل تحياتي
تركي


ابو زياد
ابلاغ
12:49 صباحاً 2008/05/31

 


اخويب محمد السهلي تحيه طيبه وشكرا جزيلا على المعلومات الشيقه والمفيده لكل من يهتم بالقانون ولو ائحه وعلومه ؟؟؟ وتقيفك لمجموعه قد لاتعلم الحد الادنى لحقوقها او لما يفرض عليها من اوامر او تعليمات ؟ وسلم ياحلو


كان دافور
ابلاغ
01:52 صباحاً 2008/05/31


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الأنظمة والمحاماة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية