لدينا في معاملاتنا الثواب أكثر من العقاب، ولذلك عجز الناقدون والمحتجون على الأعمال الحكومية عندما أصبحت بلا منافذ في تأدية واجباتها، وأصبح الإهمال جزءاً من هوية عامة ترسخت بأن الواجب يسقط عن صاحبه إذا كان المبررهو النظام الذي طوّل الإجراءات وحصر الصلاحيات بأيد غير مرنة، وليست قادرة على التطوير في مجالاتها أسوة بتطور الحياة العصرية..
الأمر لا يقتصر على العمل الحكومي، إذ العدوى انتقلت إلى مؤسسات وشركات كلفت مشاريعها آلاف الملايين، وفق قواعد نقرأ أنها مدروسة ومحققة للمكاسب، وأن الشراكة جاءت من دول تملك الخبرة في الإدارة وحسابات النجاح، ومع ذلك، ورغم تراكم أعداد الزائرين من كل دول العالم للبحث عن فرص في التنمية بالمملكة، إلا أن الحاصل غير ظاهررغم وجود هذا الكم الذي تنشره وسائل الإعلام، وتتابعه مراكز دولية مرموقة..
فالبنوك مجرد مصارف تبحث عن أرباح القروض الآنية، وتبتعد عن المشاريع ذات الجدوى الطويلة، وحتى صناديق الاستثمار ومؤسسات التأمينات والتقاعد التي باشرت بإعداد اللوائح الاستراتيجية في إعادة هيكلة رصيدها المالي، ودفعه إلى مشاريع الجدوى الاقتصادية بعيدة المدى، ظلت مجرد صور على لوحات دعائية، وكلّ يوجد مبرراته وأسبابه..
فالبيروقراطية الحكومية سبب مباشر، ولا يأتي الرد مقنعاً من تلك الدوائر عن الأسباب التي جمّدت أرصدة تلك المشاريع الاستراتيجية، هل هي الرخصة التي تدور في حلقات "نرجو التوجيه"، أو العائق بعدم وجود اختصاصين، أم هي الجدوى المشكوك فيها، ورفض أو قبول الشريك الأجنبي، أم هي البلديات ومراكزها وأدواتها التي لا تتعامل بقيمة الوقت وسرعته وضرورة استغلاله؟
هناك من يدّعي أنه لا توجد استراتيجية عامة للدولة ولا إدارة تتحرك مع الساعة في حصر هذه المشاريع ومتابعتها وأسباب القصور مع المقاول والمنفذ، وأن الذين يقومون عليها لا يملكون الاختصاصات التي تجعل سرعة الأداء متوافقة مع زمنها، وهناك من يقول إن شركاتنا الداخلية أمام وفرة العطاءات الحكومية والأهلية ليست لديها الدينامية التي تستوعب هذه الطاقة، بدليل أنه لا توجد تكتلات كبرى في شركات العقارات لتشكيل (كارتل) يتناسب وطاقات مشاريع المملكة، وأن البديل يجب أن يكون شركات أجنبية من الصين والهند وكوريا، ودول تملك العامل التقني والمهندس والأدوات المختلفة، لكن لماذا تنجح أرامكو وسابك، وشركات الهاتف في مشاريعها، هل السبب هومرونة التخطيط والتنفيذ التي لا تخضع لحالات التضييق البيروقراطي عندما تكون المهمات الكبيرة تدور بين الحلقات الحكومية البيروقراطية، وبعض الشركات التي تطرح المشاريع لكنها لا تستوعبها أو تعمل على خلق كوادرها الإدارية والفنية؟
عامل الزمن لا يرحم، وإذا لم نترجم الدقائق والساعات إلى منجز جديد فإننا نعاكس إدارة الدولة العليا التي أقرت وأعطت باليد المملوءة كل ما تتطلّبه خطط التنمية الكبرى، وهنا لا بد من جعل المحاسبة قانوناً يفرض أن تكون اللوائح السوداء لأي مقصر هدفاً رادعاً حتى لا تقف عجلة المشاريع على حدود الأفكار بدلاً من معايشتها على أرض الواقع..