بحث



السبت 19 جمادى الأولى 1429هـ - 24 مايو 2008م - العدد 14579

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


كيف يتخلّق الإرهابي؟ تعددت النظريات والانتحار واحد (2/1)

د. يوسف بن أحمد العثيمين
    في برنامج عرضته محطة هيئة الإذاعة البريطانية، قبل عدة أسابيع، على موقعها الإلكتروني، بعنوان (كيف يتحوّل الشاب إلى إرهابي)، وأعدّه (لويس هيدالقو)، تناول فيه سؤالاً من أهم الأسئلة في مجال مكافحة الإرهاب، والذي ينبغي على المهتمين والمختصين والأكاديميين ورجال الأمن والشريعة والإعلام والتربية وعلم النفس، العناية بالإجابة عليه وهو: ما الذي يجعل شاباً أو فتاة يقدمان على الموت؟ وكيف يتحول هذا الشاب الوديع، المحب لأهله ووطنه ولأسرته ولنفسه وللحياة، إلى إرهابي يفقد حياته ويفقد معه حياة الآخرين الأبرياء، من الأطفال والنساء، ويقول إنه يفعل ذلك من (أجل الجنة)؟!

فعندما سئل أحد هؤلاء الشباب: لماذا تذهب إلى الموت؟ لماذا لا تبقى حيّاً في بلدك؟ قال: إن المجاهد يخرج، ويستعد للخروج، ويستعد لجميع المواقف للموت، من أجل الحصول على الشهادة..

وعندما سُئل: لماذا تذهب للعراق وربما تموت، بدلاً من أن تبقى في بلدك حيّاً؟ قال: إذا بقيت هنا في بلدي سأرتكب الآثام، أما إذا ذهبت للعراق فسأساعدهم على النصر، وطرد أعداء الإسلام من بلد إسلامي، وهذا ما يأمرنا به ديننا..

وهنا يثور السؤال الأكاديمي المركزي: ما الذي يدفع شاباً للموت؟! هل السبب يكمن في (نمط) الشخصية الراغبة والقادرة على هذا العمل الإرهابي؟ أم في الظروف المحيطة سواء الإقليمية أو العالمية؟ أم نتيجة لظروف اقتصادية أو أسرية تحيط بالشاب نفسه؟

عالم الانثريولجيا (سكوت أكتاران)، الذي قابل عشرات من عائلات وجيران وأصدقاء الإرهابيين - يجيب بشكل علمي - عن جانب من هذا السؤال.. يقول الباحث: بأن الإرهابيين (يُصنعون) ولا (يُولدون).. فهناك الملايين الذين يؤيدون ما يُسمى بالعمليات الجهادية، ولكن فقط القليل منهم هم الذين يقومون - فعلاً - بهذه العمليات..

يرى الباحث أن لا علاقة للإرهاب بالتكوين النفسي الفردي للشاب الذي يقدم على العمليات الانتحارية، فهؤلاء الشباب ليس لديهم خلفية إجرامية، وهم مثل جميع الناس العاديين، وبعضهم متزوجون ولديهم أولاد، ولكنهم يرتبطون ببعضهم البعض كمجموعة، ويقومون بالتفجير كمجموعة، أي ك(مجموعة الأصدقاء)..

ويورد على ذلك مثال حادثة (11/9)، حيث شكل قادتهم مجموعة أصدقاء في هامبورغ، ونفس الشيء مجموعة تفجيرات مدريد (2004/5/8م)، حيث تجمعوا كمجموعة أصدقاء من نفس الحارة، ونشأوا مع بعضهم، وذهبوا لنفس المدرسة، ولعبوا الكرة مع بعضهم البعض، وذهبوا لنفس المقهى، وهذا - أيضاً - ينطبق على المجموعات التي تذهب إلى العراق..

وعليه، يرى الباحث أن نظرية (ديناميكية الجماعات الصغيرة)، خاصة تشكَّل مجموعة الأصدقاء بين الصغار من الشباب، هي التي (تفسّر) الدافعية للقيام بالإرهاب، أكثر من نمط الشخصية، أو مستوى التعليم أو التوجه الأيدلوجي..

وهذا ما يفسر - أيضاً - أن (قلّة) من الملايين المتعاطفين هم الذين يقومون بالأعمال الإرهابية.. فالصغار من الشباب ( 13- 25) من العمر يكونون جماعة الأصدقاء، أي مجموعات صغيرة في حدود (8)، هم الذين يصبحون (عرضة) للقيام بهذه الأعمال الإرهابية، خاصة إذا توطدت العلاقات الشخصية بينهم، وأصبحوا يشعرون برابطة أخوية، تدفعهم للقيام بعمل مشترك..

هذه المجموعات الصغيرة من الأصدقاء يريدون شعوراً بالهوية والهدف المشترك، شيء أكبر منهم وأعظم منهم، ويجدون هذا الشعور في الصداقات، والقضايا الكبرى، ومشاعر الثقة، وعلاقات الصداقة.. فهذه العناصر - مجتمعة - هي التي تدفع هؤلاء الشباب للإقدام الفعلي على الأعمال الإرهابية..

هناك - أيضاً - الشعور العميق ب(عدم العدالة)، ليس لأن هؤلاء الشباب الصغار لا شيء يعيشون من أجله، بل بسبب هذا الشعور (الضاغط)، الذي يستحوذ عليهم للدرجة التي تجعلهم يموتون من أجله..

يقول الباحث (ألن كروزر)، بأن الدراسات العلمية تشير إلى أن معظم الإرهابيين ليسوا من الطبقة الفقيرة الذين ليس لديهم ما يفقدونه، بل هم شريحة متميزة من الطبقة المتوسطة، التي تشمل الأطباء، والمهندسين، والأساتذة، فهؤلاء متعلّمون وأذكياء، يعبِّرون عن آلياتهم وأجندتهم السياسية بطريقة شاذة، وغير مشروعة..

وكم صُدم العالم عندما أقدمت خلية في لندن العام الماضي، سُميت (خلية الأطباء) على الإقدام على عملية إرهابية لم يكن يتخيّل العالم أن أطباء وممرضين واخصائي مختبرات طبية يقدمون على عمليات إرهابية!

إنهم فئة من الشباب يرغبون التعبير عن أجندتهم السياسية بطريقة يرون أنها أكثر تأثيراً لتحقيق أجندتهم.. والعمليات الاستشهادية ذات تأثير عميق جداً، من حيث حجم الدعاية، وانتشار الصور، وتركيز عدسات الإعلام حول العالم عليهم، وليس من حيث حجم التدمير الذي تحدثه عملياتهم..

فالمعروف أن العمليات الإرهابية قليلة نسبياً، ولكن التأثير النفسي لها عميق جداً، كما أن عدد الموتى بسبب الإرهاب لا يُقارن بعدد الموتى لأسباب أخرى كحوادث الطرق مثلاً.. حيث كان رد الفعل الأمريكي لمقتل (3000) شخص قد كلف خسارة (ترليون) دولار.. لذا فالإرهاب له صدى ودوي، وهذا (الصدى) هو الذي يؤدي إلى تمسّك الإرهابيين بهذا التكتيك، ويعتبرونه آليّة فعّالة للتغيير، وتحقيق الأهداف، وحصد المكاسب من وجهة نظرهم.

قطعاً، فإن ما عرضه هذا الباحث ليس النظرية الوحيدة في الساحة العالمية، التي تفسِّر إقدام الشباب على العمليات الإرهابية، فهناك نظرية (العبث في منظومة القيم والمعايير لدى الشباب الصغار)، خاصة الشباب بين سن ( 15- 25) سنة، التي تحرّضهم على الخروج على السلطة الوالدية والمؤسسية، واستبدالها بمنظومة جديدة تزرعها المنظمات الإرهابية كالقاعدة وغيرها في عقول الشباب وقلوبهم للخروج على السلطة، وتبنّي العمليات الانتحارية والإقدام عليها..

فهذه المنظمات الإرهابية تقدم منظومة جديدة من القيم لا ترى في سلطة الوالدين والمجتمع والدولة قيمة يجب الالتزام بها، وهذا ما يفسّر كيف لشاب صغير لا يدرك معنى وأبعاد القضايا السياسية المعاصرة وتعقيدها - بل ولا يفهمها - أن يموت من أجلها!

ولعل خير شاهد على صحة هذه النظرية، لتفسير إقدام الشباب على الإرهاب، ما نشرته صحيفة محلية في تاريخ (2008/1/20م)، عن قصة الشاب الصغير (أحمد سناكره)، التي تشير إلى أن هذا الشاب الذي لم يتجاوز عمره (22) ربيعاً، يقول إنه يريد أن يقاتل حتى اليوم الأخير من حياته، وربما لفرط ما واجه الموت لم يعد يخشاه، بقدر ما كان (يكره البرد)!.. لدرجة أنه أجبر والدته على أن تقطع له قسماً، قبل أيام من مقتله، بأن تغطيه في القبر بغطاء دافئ، وقال لها "أريد نومة دافئة وطويلة يا أمي"..

وعندما قُتل فزعت والدته سريعاً إلى المستشفى، الذي كانت ترقد فيه جثته، وكانت حريصة كل الحرص على أن لا يتعرض أحمد للبرد بعد وفاته لكرهه للبرد، ورفضت أن يُوضع في ثلاجة الموتى أبداً، بناءً على وصيته!! لكم هو مضحك ومثير للعجب أن هذا الطفل لا يخشى الموت، ولكنه يخشى البرد!!

هذا (الطفل) الإرهابي، وبهذا التفكير الطفولي، وبهذه التصرفات الطفولية، ما كان له أن يقدم على ما أقدم عليه نتيجة فهم عميق للقضايا السياسية المعاصرة، وأنى له بهذا العمل، الذي لا يحسن أقرانه من الشباب أن يعتمد على نفسه حتى في أبسط أمور حياته الشخصية.

ولذا لا بد أن هناك عبثاً قد حصل في منظومة الأفكار والقيم في رأس هذا الشاب الصغير، جعله يودع حياة الطفولة البريئة، ويتجه للعمليات الانتحارية، دون إدراك حقيقي لما أقدم عليه، وإنما هي حالة غسيل أدمغة من الدرجة الأولى لعقول وقلوب هؤلاء الأطفال، وتحويلهم إلى أدوات انتحارية، تقدم على شيء لا تعرفه حقيقته، ولا تدرك معناه، ولا تقدّر مدلولاته.

(يتبع)

8 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


أشكرك على المقال الجميل
تقبل تحياتي


موضي بنت سليمان
ابلاغ
05:42 صباحاً 2008/05/24

 


د. يوسف بن أحمد العثيمين السلام عليكم البرنامج الذي عرضته محطة هيئة الإذاعة البريطانية، بعنوان (كيف يتحوّل الشاب إلى إرهابي)، وأعدّه (لويس هيدالقو)، اعد من قبل دوله عدوه للأسلام وربما كان للأستخبارات البريطانيه دور في هذه الدراسه وخاصة ان علماء الانثربولجيا دائما في خدمة الاستخبارات غاب عن بريطانيا والدول الغربيه وامريكا ان سبب الارهاب الرئيسي هو طرد شعب فلسطين من ارضه واحلال شتات شعوب عنصريه صهيونيه تنتمي لدين اليهوديه مكانه ويتم هدم منازل واغتصاب واهانة هذا الشعب امام العالم حيا على الهواء


حسن اسعد الفيفي
ابلاغ
07:34 صباحاً 2008/05/24

 


غاب عن دول الغرب ان اهانة القرآن الكريم والأستهزاء بالرسول عليه الصلاة والسلام والهجمه التنصيريه لتنصير المسلمين واحتلال بلاد المسلمين في العراق افغنستان من اسباب الارهاب نأمل من الجامعات الاسلاميه ومراكز البحوث الاسلاميه المستقله ان تجري دراسات تتسم بالشفافيه عن الارهاب واسبابه وسبل العلاج دون الاعتماد على الدراسات الغربيه ( في مدينة ساندياقو عام 83 م بعد الصلاه قابلت رجل امريكي ابيض كاثوليكي اعتنق الاسلام حديثا قال لي بألم وحزن كيف تستقبلون البابا في الدول الاسلاميه وهو يريد ان ينصركم)


حسن اسعد الفيفي
ابلاغ
07:53 صباحاً 2008/05/24

 


يوجد برنامج آخر في الاذاعة البريطانية حبذا لو تقوم بمشاهدته وهو بعنوان " كيف يتحول الصحفي العربي الى ببغاء؟" وهو يتناول سؤالاً من أهم الأسئلة في عالم الصحافة والكتابة: ما الذي يَدفع أو يُدفع للكاتب العربي المسلم ليردد ما تبثه آلة الاعلام الغربي الصهيونية عن المقاومة والجهاد؟
قد يكون هناك أخطاء واجتهادات غير صحيحة ولكن لا يعني ذلك الغاء مفهوم المقاومة والذي اعترفت وأقرته جميع الأديان السماوية وحتى ميثاق الأمم المتحدة في حق الشعوب والأمم في الدفاع عن نفسها وأرضها واخراج الغاصب المحتل بأي وسيلة.


محمد باحميد
ابلاغ
08:49 صباحاً 2008/05/24

 


البريطانيين يرون الذرة في أعين غيرهم ولا يرون الجبل في أعينهم.!
.
يرون إرهابيا صغيرا هنا أو هناك، ولكنهم لا يرون دول بأكملها أصبحت إرهابية.!
.
إن بريطانيا وأمريكا وإسرائيل أكبر دول إرهابية في التاريخ البشري، فبريطانيا عبثت بمصير شعوب العالم كله، وغيرت مستقبلهم وحدود دولهم، وأمريكا نشرت الفساد في البر والبحر، وإسرائيل أصبحت سرطانا في جسد المسلمين حتى هذه اللحظة.
.
فكيف لا يرون كل هذا الإرهاب، ويرون بضعة مراهقين يمارسون هواية التفجير هنا أو هناك ؟!.
.
هذا يسمى بالإستعباط.


مريم إبراهيم
ابلاغ
09:22 صباحاً 2008/05/24

 


(كيف يتحوّل الشاب إلى إرهابي) هو ليس برنامج اعد في كواليس هيئة الإذاعة البريطانية، انما اعدته اجهزة الاستخبارات البريطانية..حكم الغرب العالم ماذا يريدون. خرج الاستعمار ويريدون ارجاعه بدعوي محاربة الارهاب كم تبعد العراق وافغانستان ولبنان والصومال وسوريا والسودان وكوريا بالكيلومتر عن امريكا وبرطانيا...الارهاب حق ورد فعل ومن اوقد نارا فلا يشكو منها..فهل اطفال الحجارة ارهابيون.مسيرات نصرة للنبي ارهاب.الدفاع عن الارض والعرض والمقدرات ارهاب.. لانتم اشد رهبة في صدورهم من الله.الحشر13


زول ساي
ابلاغ
10:21 صباحاً 2008/05/24

 


قرأت المقال واستغربت ضخامة الظاهرة وسطحية المعالجة من دكتورنقرأله ونقدره !!
الإرهاب كظاهرةشائكة ومتجذرة ليس لونا واحدا حتى تختزل معالجته بهذه الرؤية البسيطة المرتجلة المستوردة من قبل هيئات غيرمحايدة وليس لها أن تكون يوماما وهي أحد إشكالاته !!
كم تمنيت من الدكتوريوسف أن يتحفنا بمعالجة علمية استقصائية واعية تتناول الظاهرة من جذورها وتتبع منابع سقياها وعوامل انتشارهاوسربقائهالا أن يستنسخ معالجته لها استنساخا وقد أثبتت النعجة دوللي فشله !!
أتمنى من الدكتور يوسف أن يستفيدمن مداخلات قرائه !!


د/رشيدالربيش
ابلاغ
03:00 مساءً 2008/05/24

 


تحية إلى الدكتور على هذا المقال وهو وإن مس الموضوع بطريقة أقرب إلى العفوية إلا أنه بلا شك قد وضع عناوين مهمة يحتاج كل منها إلى سلسلة مقالات لتبيانه وحتى ما ورد في الدراسة الغربية المذكورة فهو لا يخرج عن الإطار الصحيح لبيان هذه الظاهرة المتمادية في تطرفها.فلك الشكر د.يوسف وامل أن تتناول الموضوع بمزيد من التوسع عل شبابنا يستفيق من هذا الوهم ويدرك أن واجبه تجاه بلاده وأمته أكبر وأعمق من ثقافة الموت هذه.


محمد الأيوبي
ابلاغ
06:22 مساءً 2008/05/24


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية