الرئيسية > مقالات اليوم

للعصافير فضاء

هل أنت ملزم؟


نجوى هاشم

هل أنت ملزم أن تجامل هذا وذاك؟ وأن تضغط على أعصابك؟

هل أنت ملزم بتوزيع الابتسامات على الجميع من حولك لإرضائهم وعدم إغضابهم؟

هل أنت ملزم أن توافق على كل رأي مطروح، وأن تتحدث بكلام عام غير محدد ولا يعكس وجهة نظرك حتى تُرضي الجميع؟

هل أنت ملزم أن تتحدث في أماكن لا ترغب فيها بالحديث وتفضل أن تظل صامتاً؟

ولماذا تلتف دائماً بدائرة الالتزام لكثير من السلوكيات في حياتك؟

وهل بإمكانك أن تتمرد على هذا الإلزام، وتكسر أقفاله بعيداً عن الإحساس بالذنب؟

أنت أولاً غير ملزم أن تضحك كالمغفل في وجه من تصادفه، حتى وإن اعتقد بعض التعساء والموهومين أحياناً أنك غاضب عليهم رغم أنك لست حدهم كما يقال لأن الإنسان في بعض الأحيان تغلق كل منافذه، ومع ذلك ان صادف أحدهم بهذا الانغلاق ولم يحدثه كعادته، استغرب وبدأ في البحث والتمحيص ما به؟ لماذا لم يحدثني ماذا فعلت له؟

من المؤكد أن لديه مشكلة؟

من المؤكد أنه يعاني من شيء؟

لا بل إنه قد وصله كلام عني من أحدهم دون شك

يختلف آخر ويقول: من هو حتى يتجاهلني، ولا يحدثني أو يبتسم في وجهي؟

تبدأ التحليلات، وتتزايد، وتكثر أسباب هذا التجاهل لدى هذا الآخر الذي لم يبتسم في وجهه والكارثة حكاية (هل وصله شيء عني) من المؤكد أن فلاناً قد وشى بي لديه، ويبدأ في شتم فلان هذا الواشي الوهمي.

المضحك عندما يُضغط على أعصابك تأتيك زميلة، أو صديقة (وصلك شيء عني، أحد نقل لك كلاماً، الوشاة كثيرون، يعلم الله إني عمري ما قلت فيك أي كلمة سيئة).

وعندها تشعر بضيق الحصار، وانعدام المقاومة خصوصاً ان كنت لا تزال في أزمتك فتضطر للاعتذار، ونفي ما تخيلته تماماً بالأدب الشديد، بل وتحاول إبعادها تماماً عن دائرة مشاكلك وهمومك وقد تقولين (كل ما في الأمر أنني مهمومة، أو متعبة، أو مستعجلة وأعتذر على تجاهلي وعدم توقفي، أو عدم قدرتي على الحديث في الأيام الماضية أو التي ستليها).

تأتيك عندها الطامة الكبرى ويبدأ هذا الآخر الذي يحاول اختلاس لحظة انغماسك في ذاتك هماً أو كارثة، أو هزيمة ويقول لك (إذا لم يكن غضبك مني فاحكِ لي أسباب همك عسى ما شر ماذا لديك؟ من أتعبك؟ في البيت، مع الزوجة الأولاد، والداك؟ العمل، مريض، عندك مشروع، إن كنت مستعجلاً، ما هو الشيء الذي يجعلك مستعجلاً؟

خير إن شاء الله (نحن ستر وغطاء على بعض).

تتأوه في داخلك من هذا الستر، وهذا الغطاء المكشوف، تحاول أن تفهمه بهدوء أنك متوتر من هموم الحياة عامة، أو مفرداتها خاصة، وأن الحياة تجبرنا أن نغرق في ركامها، ونتجول في قواميس أوجاعها بين آن وآخر.

يستمع إليك بتذمر... وإن كنت ذكياً ستكمل له مسلسل مرارة الأيام وضرورة أن نستأنف العيش داخلها، وأن ننهض رغم كل المرار كالمحاربين لنفيَ بالتزاماتنا اليومية.

يتأوه... ويتحرك للمغادرة بعد فاصل إلحاح، ورفض لكل هذا المطروح من المبررات وفاصل آخر من عامل الثقة المفقود بين الأصدقاء والزملاء في هذا الزمان.

يغادر، وتتنفس أنت الصعداء، بعد أن خطف وقتك، وكسر هالة أوجاعك بتطفله غير المرغوب.

لست مجبراً أن تكون دائرة خصوصياتك مفتوحة للآخرين على مصراعيها لمجرد أن أحدهم قد غضب من تجاهله ذات مرة.

ولست مجبراً أن تشبع فضول الآخرين بالضغط على أعصابك ولست مجبراً على أن تخسر لحظاتك وهدوءك لتجامل الآخرين.

نتوهم عندما نتخيل أننا نرضي الآخر بالمجاملة، لأنها تسحب بعدها كماً هائلاً من المجاملات التي لن نستطيع أن نفيَ بها بعد ذلك.

لست مجبراً أن تربح الآخرين بموافقتهم على ما يريدون، ولا أقول مخالفتهم للمخالفة فقط ولكن توافق ان كنت مستعداً لهذه الموافقة ومقتنعاً بها ولن تتحول بعد ذلك إلى إغراء للتفكير بالهروب من المواجهة.

لست مجبراً أبداً أن تتحدث وقتما يشاء الآخرون من خلال كم الاتصالات التي ترد إليك أحياناً في لحظة مقلقة معك.

ولست مجبراً أن تبرر عدم الرد، أو تجيب على ملقوف طالبك بكشف حساب للذين كنت تتحدث معهم، وعن أهمية هذه المكالمات.

لست مجبراً على أشياء كثيرة تقوم بها أحياناً تحت ضغط الآخر، واستسلام منك، دون أن تلتفت إلى داخلك، لترى أنك تفقد خياراتك يوماً بعد يوم، وأنك مخطوف بفعل الآخر الذي لن يقتنع أبداً قبل أن تستسلم تماماً.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 12

  • 1
    (لست مجبراً أن تكون دائرة خصوصياتك مفتوحة للآخرين على مصراعيها لمجرد أن أحدهم قد غضب من تجاهله ذات مرة).
    فعلا لسنامجبرين ولكن ثقتنافيهم وارتياحنا لهم هو ماجعلنا نفصح لهم عن اموركان الأولى ان نحتفظ بهالأنفسنا،فكم كنانتوقع ان نجدفيهم صدى القبول ولكن نتفاجأ بأن من تظاهربإعطائنا الأمان هونفسه من تسبب في ضررنا ولاأدري مالأسباب. كلا منا لديه مخزون من التجارب لنقف عندها ونتعلم منها قبل ان نغرق ونحن لانعلم.

    ندى بدران - زائر

    06:19 صباحاً 2008/05/22


  • 2
    أستاذة/ نجوى هاشم حفظك الله والجميع،
    قال دكتور/هاشم عبده هاشم:
    (من لا يخطئ.. لا يخاف)
    وقالت أحد المعلقات:
    (الفاضي يعمل قاضي) و(وامشي في طريقك عدل يحتار عدوك فيك)
    وقالت نشمية لزوجها الذي كان يريد أن يخوفها، فأرعبته ودعته ليأكل
    معها كبد حصانه العزيز، فرفض،
    (لماذا أنت خائف يالرخمة، أجل ليش يا الرخمة نحرت حصانك العزيز)؟
    وأنا حفظني الله:) أقول:
    الواثق القوي غير ملزم بمجاراة أو مجاملة أحد على حساب نفسه
    أو قيمه، وأقصى ماسيُقال عنه من خلف ظهره نميمةً:
    أنه جلف وشرس ومعقد،
    وهذا لن يضره في شئ.

    ابو عبد الكريم1 - زائر

    06:55 صباحاً 2008/05/22


  • 3
    استاذة نجوى يسعد صباحك
    نعم انا لست مجبرة بتوزيع الابتسامات الا لمن يستاهلها
    ولست مجبرة بالرد على اسئلة الفضوليين الذين يتدخلون
    في حياتي الخاصة وعلى حساب تسليتهم فليقولوا ماشاءوا
    وكل واحد له ظروف واسرار لا يريد ان يطلع عليها احد...)
    (وبعض الجيران يصيبهم جني اذا شافوا الواحد شايل شنطته
    وفي داخلهم تساؤلات كثيرة ولا يخرسهم الا عدم الرد عليهم..)

    صبا نجد - زائر

    10:13 صباحاً 2008/05/22


  • 4
    أشياء كثيرة لسنا ملزمين بها،إذا لم يعجبك حديث شخص ما فبإمكانك تغيير الموضوع مباشرة، إذا لم يكن لدي رغبة في ملاقاة الناس أو الحديث معهم فبإمكاني إقفال هاتفي، لست ملزمة أن أبرر جميع تصرفاتي لأنني وفي كل الأحوال لن أنجو من لومهم والقيل والقال..الصمت أحيانا والبعد عن الصخب والخلوة
    مع الذات ومناجاتها مطلب أساسي لايحق لأحد أن يمنعنا منه.
    لسنا ملزمين بالمجاملة إلا في حدود ضيقة، شكر أستاذة مقالاتك تعجبنا كثيرا.

    شديدة بأس - زائر

    11:18 صباحاً 2008/05/22


  • 5
    لست ملزما الا من خلال دينى واخلاقى وعاداتى وتقاليدى الذى يحرسها ضميرى ولست مجبرا فى يوم من الايام على فعل اشياء لاأرضاها وفقا لما سبق.. ولكنى مجبر على قراءة مقالك رغم عصبيته الواضحه ورغم هذا اجد نفسي ملزم بان ابدى اعجابى بمحتوى المقال

    سيد هنداوى - زائر

    11:40 صباحاً 2008/05/22


  • 6
    المجامله اصبحت ضروريه جداً في مجتمعاً سواً في بيتك او علاقاتك الخارجيه واذا تنزلنا عنه سوف نخسر الجميع.

    بدر بن عبدالله - زائر

    12:07 مساءً 2008/05/22


  • 7
    رائع رائع رائعه يادكتوره نجوى
    لست مجبرا
    بامكاني ان
    افعل ماشئت
    كما اريد
    دعني افكر
    اريد ذلك
    لااريد
    عكس ماتعودنا
    قل..لاتسكت..كل.. نم.. ذاكر.. افعل.. لاتفعل.. اختصر..استعجل.. خيبت ظني تغيرت علي.. لابد ان تذهب معي...ليس لديك خيار
    نخاف من سوء الفهم حتى ونحن في لجة همومنا نحتار هل نداري ونجامل او..؟
    نضطر احيانا بعد ضغط طويل ان نقول لشخص ما اخرج من حياتي

    بنت_نجد - زائر

    12:30 مساءً 2008/05/22


  • 8
    استاذة نجوى الله يعطيك العافية ويحفظك الله...
    كلام حلو ولكن مالي ومال الناس ومال الناس فيا ما ابغى ادخل بحد وما ابغى احد يدخل فيا وكل واحد يحافظ على اسراره وفي هاذي الايام مافي احد ينفع احد اذا سويت خير يحشوا فيك واذا ماسويت خير كمان يحشوا فيك

    صفية المولد - زائر

    02:10 مساءً 2008/05/22


  • 9
    ..
    ما مدى التأثير والتأثر في العلاقة مع الآخرين ؟
    هل نؤثر أكثر مما نتأثر أم نتأثر اكثر مما نؤثر ؟
    وكيف نؤثر ونتأثر سلبا أم ايجابا ؟

    بسام حسين - زائر

    09:26 مساءً 2008/05/22


  • 10
    تختلف ظروف واعمال ومسؤوليات ومهام الناس وتنشئتهم في هذه الحياة وتختلف تبعا للزمان والمكان والمراحل الحياتية والعمرية.. فكيف يستحوذ طرف او شخص على الآخر ويهيمن عليه في ما يحب ويكره وفي معطيات زمانه ومكانه ورغباته هو..
    البعض يريد أن يفصل الآخرين ويضعهم في قوالب على هواه ومزاجيته ونمطيته وذهنيته الخاطئة ربما

    بسام حسين - زائر

    09:33 مساءً 2008/05/22


  • 11
    ثمة اوقات نحتاج فيها الى وقفة مع الذات والراحة والوحدة ( ليست الإنعزالية المرضيّة ) ولكن هناك من يصر على اقتحام الآخر وقطع الطريق عليه في جميع أوقاته واطواره..
    لست ملزما أن اكون مثل قشة في مهب رياح ملقوف أو متطفل اناني على حساب الآخرين..

    بسام حسين - زائر

    09:38 مساءً 2008/05/22


  • 12
    استاذ / نجوى صباح الورد يعطيك العافيه لكل بشر وجه نظر. انا اقول كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم( تبسمك في وجه اخي صدقه ) في معنى الحديث. بعدين اللي. ( والزمن ماتغير الا اهل الزمن متغيرين) شكرا جريدتي الرياض

    عبدالمجيد سطام الغبين - زائر

    10:16 مساءً 2008/05/22



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة