بحث



الثلاثاء 15 جمادى الأولى 1429هـ - 20 مايو 2008م - العدد 14575

عودة الى الرأي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الجود يفقر!

د. فدوى سلامة أبو مريفة
    رائعة من روائع شاعرنا العبقري المبدع أبي الطيب المتنبي التي يقول في مطلعها:

لا خيل عندك تهديها ولا مال

فليسعد النطق ان لم يسعد الحال

ويختمها بقوله:

لولا المشقة ساد الناس كلهم

الجود يفقر والاقدام قتال

وان تعجبت بعض العرب عن افصاح شاعر مبدع كالمتنبي عن هذه الفكرة، وحثه الناس على البخل وهو الذي يقول:

الخيل والليل والبيداء تعرفني

والسيف والرمح والقرطاس والقلم

إلاّ ان البعض يرى ان المعنى في بطن الشاعر والبيت ليس بهذا المعنى الظاهر لنا.. وخصوصاً ان الدين الإسلامي جاء ليعزز مكارم الأخلاق التي كان يتحلى بها العرب ويفتخرون بها في الجاهلية حيث قال صلى الله عليه وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

والعرب كانت ومازالت تفتخر بهذه الخصال وتسعى للتحلي بأجملها وتذم الشح والبخل وترى ان هذه المكارم باب للسيادة في القوم، فعندما سئل ذو الاصبع العدواني (بم سدت قومك؟) أجاب (كنت أنخدع لهم في مالي). ولعلني هنا استشهد ببعض أبيات للشافعي حيث يقول في مدح السخاء وذم البخل:

وان كثرت عيوبك في البرايا

وسرك ان يكون لها غطاء

تستر بالسخاء فكل عيب

يغطيه كما قيل السخاء

ولا ترجو السماحة من بخيل

فما في النار للظمآن ماء

وعلى أية حال، فعند الحديث عن الجود والسخاء لابد من الإشارة إلى أبي الكرم وأكرم العرب الشاعر الجاهلي حاتم الطائي حيث كان يتزين بالسخاء والكرم وحب الضيافة باسمى زينة ولم يكن همه إلاّ اكرام الضيف، فكان الكرم سجية فيه وغريزة متمكنة حيث اكتسب الكرم من أمه وأخذه عنها وله الكثير من القصص الشهيرة حول اكرام الضيف، فيقال انه قدم ذات يوم لضيوفه كل الابل التي كان يرعاها وكذلك قصته الشهيرة عندما ذبح لرسول قيصر الروم فرسه حيث كانت المواشي في المرعى وان بحثنا أكثر في سيرة حاتم وغيره من كرماء العرب في العصر الجاهلي لوجدنا ان ما كان يسعى إليه من البذل والسخاء هو السمعة والصيت والمفاخرة بما لديه من حسن خلق بين قومه وهذا ما أشار إليه في بيته الشهير وهو يخاطب زوجته:

اماوي ان المال غاد ورائح

ولا يبقى الا الأحاديث والذكر

لذلك مات فقيراً، أما الكرم المقترن بابتغاء وجه الله لا يمكن ان يكون مصيره الفقر والعوز فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول (ما نقص مال من صدقة بل تزده، بل تزده) ويقول عليه السلام (لا حسد إلاّ في اثنين، رجل أتاه الله القرآن فهو يتلوه أناء الليل وأناء النهار ورجل أتاه الله مالاً فهو ينفقه أناء الليل واناء النهار).

ولا يقتصر الكرم على العطاء والبذل المادي بل ينسحب ليمتد إلى السخاء المعنوي كما ان هناك شحاً معنوياً فكثير من الأمور الإنسانية بين أفراد المجتمع أو أفراد العائلة الواحدة أو بين الجيران تتأرجح بين حالين لا ثالث لهما، الكرم أو الشح فقلما ما نرى اليوم من يطرق باب جاره الجديد ليزوره ويتعرف عليه مصطحباً معه أصول الضيافة والكرم لدينا (القهوة والشاهي)، فهذه من اللمسات رغم بساطتها إلاّ أنها تقوي أواصر المودة بين الجيران وتزيدهم ألفة ومحبة أيضاً الابتسامة التي يجب ان تعلو محيا الشخص عندما يقابل جاره أو أي شخص يصادفه في الطريق هي نوع من الكرم المعنوي الذي نفتقده في مجتمعنا وهو خلق حث عليه ديننا الحنيف، فجفاف الصحراء امتد إلى مشاعرنا مما انعكس على علاقة بعضنا ببعض فأصبحنا نبخل في التعبير عن مشاعرنا لأقرب الناس لنا.

كذلك بذل النصيحة للآخرين هي نوع من السخاء والجود وصفاء الود فالتناصح بيننا كأفراد مجتمع واحد صار شحيحاً فأصبحنا نغض البصر عن أخطاء من نعزهم ونحترمهم خوفاً من حدوث فجوة من جراء هذا التناصح.

إن أسمى أوجه الكرم، هو العطاء وقت العطاء فللأسف نحن لا نعطي إلاّ إذا بدأنا نفقد فالأم تنهال على ابنها بالحنان عند مرضه ونحن لا نكرم المبدعين والمبرزين إلاّ بعد موتهم لا نعرف عن سيرهم شيئاً إلاّ مع نزول خبر نعيهم في الصحف. وكذلك المعلم لا ننظر إلى عطائه المتميز في تنشئة الأجيال إلاّ عندما نحتفل به بعد تقاعده.

فحريّ بنا ان نعود أبناءنا على البذل والسخاء في كل الأمور ولا نكتفي بالتوجيه والنصح لهم، فعلينا ان نكون قدوة حسنة لهم في أبسط الأمور وفي أجمل الخصال وأكرمها ولتكن كل أم منا هي أم حاتم.

5 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


دكتور/فدوى أبو مريفة حفظك الله،
صدقتِ يا ذات التعبير الراقي، فحريّ بنا ان نعود أبناءنا على البذل
والسخاء في جميع الأمور، ولكن قبل كل هذا يجب أن نعلمهم الأدب
وأجمل الخصال الإسلامية وحسن الخلق والتعامل مع الآخرين الذي
إفتقدناها في هذا الزمن، عندما أوكلنا هذه المهام إلى الخادمات
(والسواويق:)الذين أصبحوا هم القدوة بعادتهم السيئة التي أصبحنا
نعاني منها بالجرائم والعادات السيئة الدخيلة على مجتمعنا، لهذا
يجب أن نعود إلى التربية الإسلامية ونكون القدوة الحسنة لهم في
جميع الأمور الدينية والدنيوية.


ابو عبدالكريم1
ابلاغ
05:51 صباحاً 2008/05/20

 


د. فدوى الله يعطيكي العافية ويحفظك الله...
كلام حلو وتعبير روعة صادقة لازم نعود أبناءنا على البذل والسخاء في جميع الأمور بس بعقل وبدون تفريط عشان الشي اذا زاد عن حده ينقلب لضده وكمان مو نعطيهم اللي يبغوه عشان يخربوا ولازم نعلمهم الادب والذوق والاتيكيت وكيف يتكلموا مع الغير ولازم نعود للعادات القديمة لما كنا نخاف على بعض وننتبه على اطفالنا من الخدامات عشان لايتعلموا منهم العادات الذين الغير محببة وينعكس علينا جرائم ماكنا نعرفها من قبل وانشاالله لما اتزوج ويجيني ولد اسميه حاتم عشان خاطرك^o ^


صفية المولد
ابلاغ
03:09 مساءً 2008/05/20

 


زينة الاخلاق السخاء المادي والمعنوي..
ولكن في هذى العصر لا نستغرب شح النفوس وبخل الايادي..
فالجود قتل بحد مؤشر الاسعار..
والنفوس الشحيحة تنتظر حقوق الانسان لرد السخاء لها..


ام فيصل
ابلاغ
04:49 مساءً 2008/05/20

 


كلام عين العقل ولكن هيهات


عبدالله
ابلاغ
10:51 مساءً 2008/05/20

 


د. فدوى جزاك الله خيرا على هذا الموضوع
حقا الشح لم يطل المادة فقط بل نال من مشاعرنا 0 والسبب هو بعدنا عن تعاليم ديننا وتنصلنا من عاداتنا وقيمنا الأصيلة 0 فما اجمل ان يبدأ المرء بنفسه ومحيطه القريب لنقضي على ما طرأ علينا من شح وجفاف في حياتنا0


أم عبد الله
ابلاغ
11:44 مساءً 2008/05/20


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الرأي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية