بحث



الجمعه 11 جمادى الأولى1429هـ -16 مايو 2008م - العدد14571

عودة الى الأخــيــرة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


بالفصيح
الثرثار

عبدالله الناصر
    الابتلاءات أجاركم الله كثيرة.. فهناك من يبتليه الله بالفقر، ومن يبتليه بالمرض، وهناك من يبتليه بالثرثرة.

والثرثرة هي من أخطر الأمراض والأدواء.. لأن صاحبها لا يشعر بدائه هذا، ولا ببلائه، فيقلع عنه، وإنما يشعر به الآخر الذي تقع عليه هذه البلوى، وفي الزمن الصعب عادة يظهر الثرثارون ويختفي الحكماء.

والثرثارون هم أناس لا يحاسبون أنفسهم، ولا يربطون ألسنتهم بعقولهم، ولا يصغون إلى ما يقولون، ولا يحأولون مطلقاً أن يسمعوا أصواتهم، لأنهم يظنون وبسبب مرضهم ودائهم أن ثرثراتهم ولغطهم وما يعانونه من فوضى لفظية ومن فوضى ذهنية هو عين الصواب ورأس الحكمة.. وأن الثرثة هي سبيلهم نحو المجد والشهرة.. لذا فألسنتهم مطلقة بلا قيود ولا كوابح، فهم يهذرون في كل شيء، ويهذون في كل شيء، ويتحدثون عن كل شيء.

والثرثار تراه يقفز كالسنجاب من مكان إلى مكان، ومن موقع إلى آخر، ومن حديث إلى غيره. يتطفل على الندوات، ويحشر جسده في الاحتفالات، ويدعو نفسه إلى المقابلات ليطلق للسانه العنان.. فلا يهدأ له بال، ولا يستريح له خاطر، ولا ينام قرير العين إلا بعد أن يفرغ ما في جوفه من الخرط والتخريف والتهريج والثرثرة.

كنت أراقب أحدهم منذ حين.. فلا أفتح عيني على مؤتمر محلي ولا مناسبة ولا مهرجان شعبي ولا ندوة صغيرة أو كبيرة إلا ورأيته، وهو يحشر لسانه بين المتحدثين، ويحشر جسده مع المجتمعين، ويحشر رأسه أمام كاميرات المصورين. وكنت أستغرب من كثرة انتشار هذا الرجل ومن قدرته العجيبة على التواجد والحضور.. وكثرة إلحاحه واستماتته في الظهور.

والغريب أنه يحضر الندوات، ويتحدث في القنوات وبالذات القنوات الرخيصة أو التافهة أو قنوات الابتزاز والارتزاق.. تلك القنوات التي أسست من أجل التفاهة، أو تلك "المستغلة" الدساسة التي تدس ما يصعد التفرقة والتمزق، وإثارة النعرات.. ولا أحد يمنعه، ولا يردعه، ولا حتى ينصحه، بل وكنت أقول في نفسي ألا يوجد رجل رشيد يحمي هذا السفيه من نفسه..؟

فه يتحدث في التاريخ، وفي الدين، وفي السياسة، وفي الثقافة والشعر، وفي الفلسفة.. وربما حشر نفسه في علم الذرة، وأسرار بيوت النمل، وخصائص الزرنيخ، وعلم البيطرة، والحمى القلاعية، وعدوى دمامل الدجاج.

ومن صفاته الثابتة أنه لا يستحي ولا يخجل.. وهذه حقيقة رأيتها وشاهدتها وكنت شاهداً عليها.. فقد حضرت أحد المؤتمرات حيث خاض الخائضون في قضايا فكرية وفلسفية يعجز غرباله العقلي عن مسك مائها، فإذا به يقف متحدثاً حديثاً غير مفهوم في موضوع لا علاقة له بالموضوع، وقد تورط فكراً وقولاً، فلم يحسن الدخول ولم يحسن الخروج.. إلى أن أسكته أحد الجمهور وكان من المغرب العربي وطلب إليه أن يكف عن هذيانه لأن أحداً لم يفهم منه شيئاً.. وكنت أتصبب عرقاً خجلاً له.. وحين قابلته عند بوابة المؤتمر إذا به يضحك ملء شدقيه فخوراً ببلاهته مزهواً بغبائه.

ومن طبعه ألا يبادر وإنما إذا سمع عن قضية "ما" ركض وراءها.. فإذا سمع قبلاً عن أنفلونزا الطيور هب كأنه طبيب متخصص.. وإذا تحدث الناس عن العنوسة أطلق لسانه في الأسباب منذ حالة النساء في سفينة سيدنا نوح إلى آخر حالة طلاق سمع عنها.. وإذا سمع حديثاً عن التعليم أو الجامعات أدار رأسه وراقب أين تكون وجهة الريح ثم صاح وناح ونادى الناس بالصياح.. أي أنه مع الخيل ياشقراء.. كما يقول المثل الشعبي.. مع أنه لا يعرف أغربت شقراء هذه أم شرقت، ولكن ليثبت للسامعين انه يعرف كل شيء ولا تخفى عليه في أمور الحياة والأحياء خافية.. فهو يذكرنا بذلك الأستاذ الذي يزعم انه يعرف كل أسماء اللغة فتحايل عليه تلامذته بخبث وركبوا لفظاً غريباً ثم طرحوه عليه فقالوا.. ما هو: "الهع خع" يا أستاذ..؟

فأجاب على الفور هذا نبات تأكله الإبل.

الغريب أن هذا الثرثار الذي يتحدث منذ سنين ويهذي منذ سنين، يتحدث قائماً وقاعداً وصاحياً ونائماً: لا يتقن أبسط قواعد الحديث، ولا يجيد أبجديات اللغة.. فتسمعه ينصب الفاعل، ويرفع المفعول، ويجر المرفوع، ويدخل في "حيص بيص" اللغة.. والأكثر غرابة أن لا أحد يمنعه، ولا أحد يقرعه، ولا أحد ينهاه.. فقد ترك له الحبل على الغارب في أن يخوض في شؤون الأمة والناس وكأنه مفوض رسمي، فهو يتحدث عن العولمة والديمقراطية وحقوق المرأة وحقوق الإنسان والجان، مع أنه غير مهيأ ولا معد، وغير قادر على أن يتحدث عن حقوق القطط والدجاج فكيف بالخوض في شؤون الأمة ومستقبلها.؟

مشكلة صاحبنا هذا أنه من الذين يعتقدون أن هذا الخرط والمرط والملط هو الذي يقربه إلى العلياء.. فهو يظن أن كل مقابلة يتحدث فيها، ويخبط فيها خبط عشواء سوف ترفعه إلى الرتبة التي يحلم بها.. ويمني نفسه بالوصول إليها، وما ظن أن كل مقابلة أو حديث يهذي به إنما يهوي به درجة نحو السفاهة والسماجة والملاغة والسقوط.. وأن أصحاب الحكمة والعقول أكثر رشداً من أن يسندوا أو يكلوا أمراً من أمر شياه الرعية إليه فكيف بالرعية.. بل ان أولئك الذين يدفعونه أو يحرضونه ويحركونه "بالريموت" على أن يتحدث فيما يرغبون فيه وفقاً لحملاتهم المبرمجة يعطون تعليمات لفراشي مكاتبهم بألا يسمحوا له بالولوج إليهم.. لأنهم يخشون من أن يعرف الناس أنهم يتعاطون مع مثل هذا الأبله "الفضيحة".

41 تعليق
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


السلام عليكم كيف حالكم ان شاء الله بخير
كلام رائع بأسلوب أكثر من رائع كما عودتنا يا أستاذنا الفضيل الكلمات عاجزة عن وصف كتاباتك و مؤلفاتك يا ملك القصص و المقالات.


صبرينه.ر.الجزائر
ابلاغ
04:43 صباحاً 2008/05/16

 


عجيب هاالثرثار


اسدالله
ابلاغ
05:08 صباحاً 2008/05/16

 


من هذا الثرثار؟


ابو خالد
ابلاغ
05:15 صباحاً 2008/05/16

 


هذا ما اخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم انه في آخر الزمان( ينطق الرويبضة )


سارة
ابلاغ
05:24 صباحاً 2008/05/16

 


السلام عليكم دائمآ الثرثارون يتكلمون في اشياء لاتخصهم وبالتالي يعملون نفاق بين الناس ومن شدة ثرثرتهم يصلون لامور الدين ويفتون فيها ولكن اقول لاداعي للثرثره


رجاوي
ابلاغ
05:28 صباحاً 2008/05/16

 


استاذي انت خلطت بين الثرثار والانسان الي يبي يكون مطلع على كل شي حوله
عموما وجهة نظر


عبدالمجيد عبدالله
ابلاغ
05:42 صباحاً 2008/05/16

 


ياكثرهم يااستاذ عبدالله والله اكاد اجزم انهم في كل مجلس ,,,
واو والله انهم يرفعون ضغطي لدرجة اني اوزع الابتسامات لتوقعي ان هناك من سيوافقني باابسامات التعجب والتهكم ولكن للاسف اني القاء العامه فاتحين (فررهم)ويسمعون كلامه ومصدقين انه هو الاستاذ المعلم وصاحب الخبره والمعرفه والخبير بدهاليز الحياة والناس...
والناقد الفاهم للدوائر الحكوميه ولاسياسات الاقتصاديه.!!!والخ
المهم لابد مايقابلك واحد من ذولي.


معلم تدريبات سلوكيه لم ينقل
ابلاغ
06:09 صباحاً 2008/05/16

 


المشكلة يا عزيزنا من يتابع ويرصد مثل هؤلاء !؟ لا احد وللاسف انهم يصلون في احيان كثيرة واكتشافهم ان حصل يكون متأخرا جدا


أحمد ألرحيلى
ابلاغ
07:58 صباحاً 2008/05/16

 


"فأجاب على الفور هذا نبات تأكله الإبل"
ه
ياكثر هالعينة عندنا
و ياشين ثرثرة الحريم.. ما يخلون حتى السياسة و عشان كذا اكره اغلب مجالسهن
و اشين منها الرجال اذا تفوق على الحرمة بالثرثرة في امور واجب الترفع عنها من الحرمة.. فما بالك بالرجل
المشكلة كيف نمنعه او نصحح له.. ترى بعض الناس فيه حمق.. مثل القربة المشقوقه
يعني مالك الا ان تستمع له و بانصات و الله يعظم اجرك
مقال رائع و في الصميم


ام سعد
ابلاغ
08:12 صباحاً 2008/05/16

 10 


والله ضحكة على ها المقال وللحين ميت ضحك كأن الكاتب يتكلم عن واحد اعرفه واكيد انتم تعرفونه فاضحنا في نادي الهلال ما خلا مقابلة مع اللاعبين الا وارتز وراهم ولا خلا مناسبه الا ظهر فيها حتا شاعر المليون ما سلم منه الكمرا ماخذه له بوز وهي طايره في الهوا شوي وينقز ويتعلق فيها وحتا عند استقبال ناصر الفراعنه رز وجهه في المطار هذا والله الي في المقال صدق الكاتب وصدق المعلق أبراهيم الجابر يوم قال انه ظاهره يجب انت تدرس الا يجب انا يحجر عليها..


& نواف &
ابلاغ
08:19 صباحاً 2008/05/16

 11 


هذي مشكلتنا في الحياة وخاصة في العمل.. نصبح ونمسي على هؤلاء و الذين يحشرون أنوفهم ويثرثرون حتى في حياة الآخرين الخاصة.. وللأسف ان بعض هؤلاء يجدون قبولا وتنطلي أساليبهم على المدراء والمديرات.. ونحن الضحية.. بل حقيقة ياسيدي هذه الثرثرة والخرط والمصالة وادعاء المعرفة بكل شيء توصلهم للصدارة عند مديرين أغبياء وصلوا للإدارة بنفس طريقتهم..
دمت مبدعا وصباحك خير و إبداع..


صفية
ابلاغ
09:29 صباحاً 2008/05/16

 12 


والله في عينات كثيرة في المجتمع وأنا الله باليني بواحدة ماشاء الله عليها لم تكمل تعليمها بس أيش مستعدة تسويلك عملية القلب المفتوح وتعرف كل شي والله يعينك لو تغالطها! حتى لو كان إختصاصك مانقول إلا الله يعين ويستر من الجهل لأن الثرثر جهل بعينه كالذين ينعقون بما لا يفهمون وسلامتكم.


فاقدة أبوها
ابلاغ
09:47 صباحاً 2008/05/16

 13 


صباح الخير...
اعرف واحد كذا... لا ويجيك ويتدخل ف كل صغيرة
وكبيرة واذا سمع اثنين يتكلمون دخل بينهم
حتى لو كان الموضوع شخصي بحت...
بالنسبة للهع خع ورد ف كتب اللغة العربية لعله في زمن الرسول
صلى الله عليه وسلم أن أعرابي سُأل أين ترك ناقته فأجاب (( تركتها
ترعى الهع خع )) هذا اللي درسونا بالثانوي... صح او خطأ المسؤولية
تقع على المدرسة...
تحياتي...


جميل الخالدي
ابلاغ
10:05 صباحاً 2008/05/16

 14 


الاسلام نهانا عن البحث على اخطاء الاخرين وتصيدها والخوض فيها وذمهم والخوض في افعالهم وحركاتهم واحنا بشر مايجوز لنا نحاسب الناس واللي يحسبهم الله وحده والمقال مو موفق


جميلة
ابلاغ
10:40 صباحاً 2008/05/16

 15 


المشكله اذا وقفته زعل ماخترعو حتا الحين سدادات لهم واشكالهم الهم لك الحمد


الصريح
ابلاغ
10:53 صباحاً 2008/05/16

 16 


فعلاً
الثرثار دائما يقع في مشاكل في غنى عنها
ودائما عرضه للفضائح لأن كثرت كلامه يفضحه
وتجد الناس يبتعدون عنه لكثرة كذبه ونفاقه و نقل الكلام
وانا من وجهة نظري ارى ان الثرثار لايتمتع بالذكاء اي انه اقل ذكاء من غيره
واخيراً اكثر الثرثارين تجدهم في الوسط النسائي
شكرا لك استاذي الفاضل


موضي بنت سليمان
ابلاغ
11:39 صباحاً 2008/05/16

 17 


مرحبا أستاذنا المحترم..أنتظر دوما بفارغ صبري أن تطل علينا بمقالاتك الممتعة القيمة،اللسان هو منبع أي مشكلة يقع فيها الإنسان فهو يحتاج دوما إلى التهذيب والتعويد على السكون وعدم الانطلاق إلا في حدود معقولة مدروسة بعناية
وإلا رمى بصاحبه للهلاك والمصائب وجعله مادة خصبة للتندر به في المجالس الإنسان العاقل ياأستاذي كما تعلم يلجم لسانه قدر المستطاع لأنه يعرف مغبة الثرثرة وعواقبها الوخيمة.شكرا لك أستاذنا الكريم.


شديدة بأس
ابلاغ
11:43 صباحاً 2008/05/16

 18 


والله لقد صدقت فقد كثرت هذه النماذج من الثرثارون حولنا.
طرحك للمقال أكثر من رائع,دمت ودام قلمك وأبداعك...


ميمونة _ حائل
ابلاغ
11:56 صباحاً 2008/05/16

 19 


مقال جميل
اعنقد ان الانسان يجب ان يطلع على شئون الحياة فالاطلاع يجعل الانسان اكثر نضجا ومعرفه ورقي
ولكن مشكله هؤلاء اعتقادهم بأنهم ( اساتذه) في كل شي بالحياه وهذه المشكله
شكرا لك يااستاذي على هذا المقال.


عبدالاله
ابلاغ
01:05 مساءً 2008/05/16

 20 


شكرا لك استاذ عبدالله... مقال رائع
فوضى لفظيه في المقابلات والندوات والاحتفالات شئ ظاهر
المصيبه لما تكون ثرثره وراء الكواليس = غيبه نميمه طعن باعراض خلق الله تصنيف الناس الحكم على الااخرين.وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم ؟
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً
(ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد) [ق:18]
واللسان ظالم يستحق الحبس قبل الذنب.


بنت نجد
ابلاغ
01:07 مساءً 2008/05/16



  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الأخــيــرة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى






صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية