مدن كثيرة في العالم كانت ولا تزال مركز صفقات مالية وعسكرية، وتجسس وغسيل أموال، وقد تنبهت بريطانيا تحديداً إلى تركيز مثل هذا النشاط خارج دائرتها الجغرافية حتى لا ترصدها العيون، وكانت طنجة في المغرب، وهونغ كونغ في الصين أيام تواجد الاستعمار البريطاني بها ثم بيروت، في قلب صناعة المؤامرات وتمريرها، والأخيرة ليست فقط ضحية تمرير تلك الصفقات عندما كانت في قلب المعركة في تغيير الأنظمة العربية وقوة الدفع في صراع الغرب والشرق عندما خرج "فيلبي" الابن منها كأخطر جاسوس مزدوج، وكذلك نشاطات الإرهابي العالمي كارلوس وحاضنة الحركات السياسية من كل اتجاه..
ولأن هذه البيئة لا تزال تستقطب صراعاً جديداً داخلياً تحرّكة أدوات خارجية فإن أزمات ما بعد السلم للحرب الأهلية الماضية، فرضت تنازع قوى غيّرت مسار الاتجاهات أي أنك تجد العرب وإيران في جبهة صراعات النفوذ، والشعب اللبناني بفئاته المعتادة منقسم خلف تلك التيارات والقوى، وهي قضية عجزعن أن يخرج لبنان منها في كل عهوده ومواثيقه لأنه أحد الأقطارالصالحة لتمرير كل فعل محرّم أو حلال..
الآن كلّ يحمل ملفه الخاص بشروطه، فالموالاة ترفض ازدواجية صلاحيات الحكومة بأن ينبت داخل صلاحياتها مراكز اتصالات لا سيطرة عليها من قبلها، وحين عزلت مدير أمن المطار تصرفت بما تعتقد أنه إحدى مهماتها، لكن المعارضة رفضت وجاءت برد مضاد أنه حتى تُزال القوات من بيروت والنقاط الحساسة، فلابد أن تتخلى الحكومة عن قراراتها، والدولة الآن تدار برؤوس كثيرة، خلفها أياد قوية والمشاريع العربية لحل هذه التعقيدات صعبة ومثيرة للشفقة، لأن خارج هذه الدوائر تُنسج خيوط لاتفاقات أهم، وبعيداً عن فرض إرادتهم السلمية..
فمقابل حل القضية اللبنانية، لابد من زحزحة الملف النووي الإيراني حتى تلحقه تهدئة في العراق، وإيران التي أصبحت متداخلة في الشأن العربي بدءاً من قضية الجزر الإماراتية، وحروب الحوثيين مع الحكومة اليمنية، إضافة إلى حزب الله وحماس، فإن هذا الانتشار على الخارطة العربية، هو الذي أعطاها البعد الإقليمي، والذي قد يرفع أسهمها، في وقت ما، ومع خصومها الحقيقيين، أمريكا وإسرائيل إلى عقد صفقات على حساب أقطار الأمة العربية كلها، غير أن تجربة أفغانستان والعراق وفشل أمريكا فيهما تجعلها تفاضل بين حكومة "ثيوقراطية" يمكن إيجاد مصالح مشتركة معها، أفضل من خلق حروب وتوترات ربما تغرق المنطقة العربية ودول الوسط الآسيوي بمعارك تولد أكثر من طالبان وقاعدة، وعلى نمط يزاوج بين النموذج المتطرف دينياً، وبين التطرف القومي، وبالتالي قد تجد أمريكا متورطة في حروب المساحات الأكبر التي لا تغطيها القوة العسكرية ولا تعاليم الديموقراطية التي تقدمها هدايا غير مقبولة..
الحلول بعيدة، طالما تداخُل قوى المنطقة مع أكثر من دولة حالة مرضية عربية، وقد تحررت الأقطار العربية، من الاستعمار، لكنها لم تخرج عن الوصاية سواء من حزب أو دولة تتبعها مليشيات، وقد خرجنا من حالة الانتماء لليسار المبشر بعدالة عالمية، إلى حروب القبائل، والمذاهب، والأقليات الرافضة أن تكون عربية أو إسلامية، أو حتى شرق أوسطية طالما تقع جغرافياتها على حدود أوروبا المتطورة أو آسيا التي تستعد أن تلحقها بالتقدم ويبقى العرب رهينة واقع فرضوه وتقبّلوه.