في كل مرة أدخل فيها مجمعاً للتسوق أرى مشهداً يثير الغضب والاستياء والشفقة، أمهات يتجولن بين المحال التجارية يسرن هائمات في السوق بلا هدف ولا خطة وخلفهن طفل أوأكثر يبكي أو يصرخ ولفترات طويلة بصوت يشق عنان السماء، وهن لا يلقين بالاً لبكاء أطفالهن ولا يحاولن تهدئتهم ومعالجة سبب بكائهم، وقد تكتفي الأم بحمل الطفل وهي تقلب الملابس والبضائع الأخرى، أو تكلف الخادمة بحمله إذا كانت بصحبتها أو تعهد به إلى أخته الصغيرة. ولا يقتصر الأمر على هذا المشهد المتكرر فبعض الأمهات يتركن الأطفال يجرون هنا وهناك يسقطون على الأرض من دون أي ضبط أو حماية، وينتهي الأمر أحيانا بإعلانات عبر مكبر الصوت عن أطفال ضائعين !!
ماجدوى اصطحاب الأم أطفالها في رحلة تسوق خالية من أي متعة لها ولهم وبدون أي ضوابط؟؟.
ولماذا تخرج بهم في أوقات متاخرة عن مواعيد نومهم؟؟
ولماذا تأخذهم إلى أماكن مزدحمة إذا كانت غير قادرة على التصرف مع سلوكهم؟.
يبكي الطفل وبحرقة إما لأنه متعب أو جائع أو متألم من وجع ما أو متوتر وهو يسير بين أفواج من الناس، أو محبط ويريد اهتماما وحبا، أو يشعر بالنعاس، فهو يحتج على انشغال أمه عنه وتجاهلها له بالعويل والصراخ الذي يشكل ضغطا نفسيا عليها وعلى الآخرين.
ترى ما الذي يجعل الأم وهي المفترض أنها المخلوق الحاني العطوف، تتصرف بهذه الصورة، هل هو الجهل وضيق الحيلة؟ أم الملل والتعب من كثرة الأطفال والمشاكل؟ أم أن ما يمارس عليها من قمع وقسوة سواء من عائلتها أو زوجها يظهر في تعاملها مع أطفالها؟ فمن لم يتربّ على الحب والاحترام، ولم يمنح الأمان ويعامل بكرامة وثقة يتدنى احترامه لنفسه في الغالب ويستهين ويستبد بمن هو أضعف منه دون أن يشعر، ففاقد الشيء لا يعطيه.
هذه الممارسات بما فيها من استهانة وإهمال قد تبدو عادية ولا يدرك الكثير منا أنها تعد انتهاكا لحقوق الأطفال وتعريضا لهم للخطر، وهذه المواقف التي يعيشها الأطفال في الأماكن العامة وبالتأكيد في بيوتهم، لن ينسوها، ستبقى في ذاكرتهم، تحدث جروحا غائرة في نفوسهم وتنعكس على شخصياتهم وتصرفاتهم في المستقبل وقد تؤثر في نموهم.
إن جانب الرعاية الاجتماعية للطفل ضعيف عندنا، ومعوقات التنشئة السليمة كثيرة رغم حرص الأسر وتنافسها على كثرة الإنجاب.
وفي مجتمع متغير كغيره، يعاني من القلق بسبب التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية السريعة التي يمر بها لا بد أن ننتبه لمسألة الإهمال الذي صورته في بداية المقالة، وعلى أساتذة التربية وعلم النفس أن يقوموا بواجباتهم في تحليل هذه المشكلة وتحديد أسبابها وطرق علاجها، خصوصا وأنها مشكلة خفية وكثيراً ما نتجاهلها لأن آثارها قد لا تظهر بسرعة.. لا بد أن تكون هناك سياسة جادة وعملية للتعامل مع الإهمال، موجهة نحو عدة مستويات، جهود مجتمعية وقائية سريعة، وبرامج توعية وتدريب ومتابعة تصل إلى المنازل والأفراد، قوانين وعقوبات تسن وتنشر في كل مكان - بحيث يخضع الوالدان او من ينوب عنهما في مسؤولية رعاية الطفل للمساءلة إذا حدثت تجاوزات - فلا تكفي المحاضرات والمؤتمرات والندوات التي تعقد في قاعات الفنادق ولايصل تأثيرها إلى المنازل، وأرى من المناسب الاستفادة من تجارب دول رائدة في مجال الرعاية الأسرية كالكويت مثلا.
الإهمال بكل صوره ومستوياته مسألة خطيرة والمجتمع كله مسؤول عن حماية الأطفال.