أستميح القارئ عذراً ان أستعيد لهذا اليوم نصاً قديماً نشر قبل 30عاماً في مقدمته حديث عن مآسي ال 30عاماً التي سبقت العام 1978اي ال 30عاماً ابتداءً من العام 1948، لكن الاقتباس من المفكر والفيلسوف العربي الكبير عبدالله القصيمي هو تأملات عميقة وصارمة تعرّي الحالة العربية وجوديا وتاريخيا طوال الزمن الراهن المنبثق من الهوة الظلامية لقرون طويلة سبقت العصر الحديث.
ما أرجوه هو ان يُقرأ هذا النص منسوبا الى زمنه قبل 30عاما قبل ان تصل اللحظة التاريخية الحالية الى سواد اكثر مما كان حين كتابة هذا النص:
ذروة المباراة، هذه الايام، في الحماسة والشعارات والتباكي ولكن الكل راسب بلا استثناء، مهما علا الصراخ والنواح، مهرجان أقنعة مختلفة الألوان والأشكال والحركات... ولكن وجوهنا من خلفها على صورة واحدة، باهتة لا تعبير فيها ولا انعكاس.. حصيلة اطول ثلاثين سنة في تاريخ منطقتنا من سحق إنسانية الانسان، والخداع والتضليل.
من يضحك على من.. من يدين من.. من يتباكى على من..؟
عبر ثلاثين عاما من القهر والغش وتحطيم القيم والمثل لم يعد ثمة معنى لأي شيء.. بل أصبح كل شيء باطلا: كل المزايدات والمزايدين الذين يهولون بأن الساعة بلغت الخامسة والعشرين، والمناقصين العائدين بالساعة الى الصفر.. كل المشاركين في عملية الاحراج فالاخراج من جانب، ومنتهزي فرصة الحرج للاسراع بالخروج من جانب آخر.. كل المتفرجين، العابسين او المبتسمين على السواء.
في هذه الايام، العبثية الكلمة والمعنى.. هذه كلمات، من مأثورة عبدالله القصيمي "عيناك كيف لا تنفجران" التي قالها في اواخر الستينيات:
كل الأشياء تسقط في عينيك.. كل الغباوات، كل التناقضات، كل العبث، كل التفاهات
عيناك، كيف لا تنفجران؟
كل الطغاة يسقطون في عينيك.. كل العتاة، كل القساة، كل المتألهين، كل الجبارين، كل اللصوص، كل الملوثين.
عيناك، كيف لا تنفجران؟
كل المسحوقين يسقطون في عينيك.. كل المهزومين، كل الراكعين، كل المنافقين، كل الهتافين.
عيناك، كيف لا تنفجران؟
كل البائعين لشرفهم، لكرامتهم، لحريتهم.. كل المتنازلين عن شرفهم، عن كرامتهم، عن حريتهم.. كل الهاربين من الشرف، من الكرامة، من الحرية.. كل من خلقوا بلا شرف، بلا كرامة، بلا حرية، يسقطون في عينيك
عيناك، كيف لا تنفجران؟
كل من يعيشون بالخبز وحده، كل من يعيشون بلا خبز ولا روح، كل من يعيشون بلا مستوى من الخبز او الروح.. كل من يعيشون بلا قامات، بلا هامات، بلا عيون، بلا ارتفاع، بلا أبعاد، يسقطون في عينيك.
عيناك، كيف لا تنفجران؟
كل المعتقلات، كل السجون، كل المعسكرات، كل المؤتمرات، كل الاستعراضات، كل القيود، كل الصحافة، تسقط في عينيك، كل صباح، كل وقت.
عيناك، كيف لا تنفجران؟
كل المتزعمين وهم يخطبون، كل المعلمين وهم يعلّمون، كل الناصحين وهم ينصحون، يسقطون في عينيك.. تسقط في عينيك أكاذيبهم، غباواتهم، نفاقهم، تشوهاتهم.
عيناك، كيف لا تنفجران؟
كل ممارساتك لذاتك، لتلوثاتك، لصغائرك، لجوعك، لنياتك، تسقط في عينيك.
عيناك، كيف لا تنفجران؟
عيناك، هل هما عينان، هل هما تشوهان في وجهك؟ هل هما رسمان غبيان؟
عيناك.. وهل لك عينان.. هل لك عينان؟
لقد ماتت عيناك، لقد ماتت عيناك.. إن عينيك لم تخلقا، لقد كان مستحيلا ان تُخلق لك عينان.
إنك لن تستطيع الرؤية، إنك لن تطيق الرؤية
إن الرؤية هي الموت، هي الجنون، هي الاصابة بالعمى
لقد كان شيئا فوق الطاقة ان ترى الاشياء، ان ترى الطبيعة، أن ترى الآخرين، أن ترى ذاتك، ان ترى ممارساتك لذاتك، ان ترى سلوكك، ان ترى نياتك.
لقد كان شيئا صعبا ان تُخلق لك عينان، لقد كان شيئا مستحيلا.
إن وجهك خراب، إنه صحراء، إنه بلا حياة.. إن كل الاشياء تقتحمه، تفترسه، تلعنه دون أن يصطدم بها او تصطدم به، دون أن يناقشها او تناقشه، دون أن يراها او تراه.
إن وجهك خراب، إنه صحراء، إنه بلا حياة.التاريخ.