بحث



الخميس 10 جمادى الأولى1429هـ -15 مايو 2008م - العدد14570

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


ايقاع الحرف
هل الإفراط في التأويل هو نوع من العنف؟

ناصر الحجيلان
    من النكت التي نسمعها ما يقال بأن زوجةَ غضبت من زوجها لأنه كان شارد الذهن حينما رجع ذات يوم من العمل، فعادت إلى أهلها تطلب الطلاق وترفض الحياة مع زوجها، وحينما سئلت عن السبب أخبرتهم أنه يريد الزواج عليها. لقد استدلّت على ذلك من خلال ربطها بين شرود ذهن زوجها وبين تفكيره في امرأة أخرى. وهذه الزوجة - في الحقيقة - تمارس التأويل الذي توصّلت إليه عن طريق الربط بين معطى حاضر وهو شرود الذهن وبين معطى مرتبط به وهو التفكير مع ربط ذلك بمحتوى ذلك التفكير المتخيل، وقد وجدت أن التفكير في امرأة أخرى أمر وارد. وهي غير مُلامة في العثور على هذا المحتوى لأنها استدلت عليه بناء على ما تسمعه من قصص أو ماتعرفه من تجارب صديقاتها أو معارفها.

لقد صادف أن يكون محتوى الأمر المتخيل سلبيًا مع هذه المرأة التي يمكن وصفها بأنها تميل إلى الشك، ولكن يمكن أن يكون محتوى هذا المتخيل إيجابيًا مع امرأة أخرى تعتقد أن زوجها إنما شرد ذهنه لأنه يريد أن يشتري لها هدية أو يخطط لإقامة حفلة أو رحلة لإسعادها. وبإمكان صاحب التأويل أن يجادل عن طريق جلب شواهد تاريخية من سيرة الزوج أو من يشبهه من الأزواج لدعم التأويل وجعله واقعيًا، ومع ذلك فهذا النوع من التأويل يوصف بأنه تأويل مفرط (overinterpretation)لاعتماده على وقائع تخلو من التماسك.

إن التأويل من العمليات العقلية التي يمارسها الإنسان في فهم الأشياء من حوله، وهناك من يرى أن التأويل حالة عقلية باعتباره مرحلة تتجاوز التفسير في إدراك المقاصد الخفية والعميقة التي لايدركها سائر الناس. وبعض القدماء كالقشيري والألوسي يرفعون من قيمة التأويل فيجعلون التفسير للعامة والتأويل للخواص.

وقد تقدّمت الدراسات المتعلقة بالتأويل في القرنين التاسع عشر والعشرين وخاصة في ألمانيا، وصار هناك تمييز بين نوعين من التأويل، أحدهما التعليق أو الشرح (commentary) الذي يعني استخراج عناصر الشيء وعرضها في العراء. والآخر (interpretation) هو التفسير التأويلي الذي يتضمن تحريف المعنى بتفسير قد يخالف قصد صاحب النص. وهناك الهرمينطيقا (hermeneutic) التي تعمل بمثابة ضابط التأويل حيث تزيل العوائق التي تحول دون التفسير أوتنطلق من اعتبارات غير مثبتة وذلك بالاعتماد على عنصرين: الأول ما يرتبط بالمنطق واللغة، والثاني ما يرتبط بالجانب المادي أو المضمون. وتعمل هذه الضوابط على تأسيس المعنى والتماسك (coherence) ضمن سياق محدد تاريخيًا رغم أنه خالٍ من الضمانات المطلقة للقيمة والحقيقة مما يجعله عرضة للتشعب في التأويل، ولكن هذا التشعب يمكن للهرمينيطيقا أن تضبطه من خلال تحديد التشعب المقترن بالجدل الفلسفي العام: بين الموضوعاتية (objectivism) والنسبية(relativism)، أي بين الاقتناع بوجود قالب أو إطار خارجي دائم يمكن اللجوء إليه لتحديد طبيعة العقلانية والمعرفة والحقيقة والواقع وإدراك مستوى الجودة والصواب؛ وتعيين معالم الرأي المعارض دون إغفال إنكاره لهذا القالب من منطلق أن التاويل دائمًا محتجز ضمن منظومة القيم الاستثنائية (exclusive) والخطابات (schemata) المفهومية السائدة في مجتمع معين.

والنصوص - الخطابات - الآثار بمختلف تصنيفاتها الأدبية والتاريخية والوثائقية والحالات الإنسانية يمكن قراءتها على أنها مفتوحة تقبل التأويل بحسب ثقافة المؤوِّل (القارئ) وخلفيته النفسية والعقلية. وقد حدد أمبرتوإيكو في كتابه "الأثر المفتوح" (1962) سمات العمل المفتوح الذي يترك مسؤوليات التأويل وتبعاتها للمتلقي الذي يقوم بدوره بإغلاق النص من خلال تأويل أو تأويلات معينة. وذهب في كتابه "التأويل والتأويل المفرط" (صادر عن جامعة كامبريدج 1995) إلى أن النص عالم مفتوح النهايات، وليس بإمكان اللغة القبض على معنى سابق للوجود. بل على النقيض من ذلك، فإن مهمة اللغة هي إظهار تزامن الأضداد. ويرى أن مجد القارئ يتأسس باكتشاف أن النصوص يمكنها أن تقول كل شيء باستثناء ما قصده مؤلفوها. ويصل إلى فكرة مفادها أننا بمجرد اكتشاف المعنى المزعوم، نكون على يقين بأنه غير حقيقي. فالخاسرون هم الذين ينهون القراءة بقولهم: فهمنا. أما القارئ الحقيقي -عنده- فهو من يدرك أن سر النص هو خلاؤه حيث ينفصل عن ناطقه وعن الظروف المتعينة لنطقه، فيطفو في فراغ مداه مطلق يحتمل كل التأويلات الممكنة.

وهو بهذا يشير إلى مستوى "التأويل المفرط" الذي تنعدم فيه المثبّتات الواقعية التي تعني التماسك المنطقي. ويمكننا مناقشة هذا المفهوم على المستوى الفلسفي حينما نطبقه على نصوص مكتوبة أو على حالات بشرية قابلة للدراسة دون أن يترتب على تأويلنا هذا أحكام أخلاقية أو قانونية.

ولكن يبرز هذا النوع من التأويل على أنه نوع من الممارسة العنيفة ضد النصوص وضد الحالات والخطابات حينما يطبّق بحق سلوك بشري بسيط، فيتحول -بناء على هذا التأويل- ماكان يعد سلوكًا طبيعيًا إلى سلوك شاذ، وما يعد شيئًا تافهًا إلى قضية كبرى.

ويمكن ضرب مثال بقضية الطالب علي المرّي حبيس السجون الأمريكية منذ عام 2001، ولا أحد من أهله أو حتى محاميه يعلم ماهي قضيته وما سبب سجنه سوى أنه مصنف على أنه "عدو محتمل لأمريكا". وتذكر بعض الصحف تكهنات كثيرة منها أنه في أوائل عام 2001كان مع زوجته في أحد المطاعم، وحينما جاءت الفاتورة بمبلغ يزيد على مائة دولار تقريبًا سدد القيمة نقدًا مما لفت انتباه العمال أنه يحمل في جيبه مبلغًا كهذا (وعادة أكثر الأمريكان لايحملون في جيوبهم مبالغ تزيد على 40أو 50دولارًا) ويدفعون بالبطاقة الائتمانية أو الشيكات للمبالغ التي تزيد على ذلك. وحينما حضر عملاء المباحث وجدوا معه كذلك مبالغ أخرى وبطاقة ائتمانية ليست باسمه (اتضح فيما بعد أنها تخص زوجته) ولكنهم اعتبروه مزورًا ومحتالا، فأودع السجن للتحقيق معه خشية أن يكون له علاقة بمفجري 11سبتمبر، وخاصة أن بعض المفجرين اشتروا تذاكرهم نقدًا لكي لاتكتشف مصادر أموالهم.

وقبل أسبوع (يوم الثلاثاء 6مايو 2008) سمحت له المحكمة في ولاية كارولاينا الجنوبية بإجراء أول مكالمة مع أسرته منذ سجنه قبل مايزيد على سبع سنوات، ولم يسمح له إلى الآن بمشاهدة التلفزيون بحجة أنه سيتعرف على خطط القاعدة ضد أمريكا. والغريب أن هذا التأويل المفرط الذي قدّمه الادّعاء العام لتبرير منعه من مشاهدة التلفزيون معتمد على معطيات متخيلة لا أساس لها في الواقع، ومع هذا فقد اقتنعت به المحكمة.

6 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


تحليل ممتاز استمتعت به وارى ان التأويل المفرط هو عنف مرضي وضار


أبو أحمد
ابلاغ
09:17 صباحاً 2008/05/15

 


مرحبا بالاستاذ الحجيلان , نحن نعرف التفسير من مفسري ألاحلام حيث يتبرع احد العامه بالقريه ليصنع من نفسه مفسرا لأحلام الشباب والنساء وفي هذا النوع من التفاسير تجري بعض (ألافلام والسيديهات) مالله به عليم وحسب رؤية الشيخ !!! ولكن أن يطبق هذا بشكل رسمي وعلى قضايا واضحه بحيث تحرف تماما عن عناوينها وملابساتها الماديه فهذا شيء أخر ربما يكون فيلم ( dvd( عموما نتمنى أن يفك الله أسر شبابنا ألآخ المري وألاخ حميدان التركي وكان الله في عون الجميع , والسلام...!!!


فضل الشمري
ابلاغ
09:51 صباحاً 2008/05/15

 


استاذ ناصر يسعد صباحك
هذا عندنا يسمى شك واساءة ظن بالآخرين
لماذا لا نحاول ان نبرر لهم العذر ونتوقع الأحسن،
فهذه الزوجة التي اعتقدت ان زوجها سيتزوج عليها الم تحكم عقلها
وهذا ماحدث لقريبة لي طلبت الطلاق لأن زوجها يجلس ساعات طويلة
على النت واخذت تشك به فما كان من زوجها الا ان حكم عقله ولم يتسرع
في طلاقها احضر لها جهازا محمولاً وبدأ بتعليمها حتى اتقنت تشغيله
وبدأت تنافسه في امتداد الساعات الطويلة التي تقضيها على ذلك الجهاز
واعتذرت لأنها عرفت ان جلوسه لم يكن عبثاً..)


صبا نجد
ابلاغ
11:17 صباحاً 2008/05/15

 


الافراط هو نوع من الظلم للنفس وللغير
وقد احسنت توضيح ذلك
وماجرى للطالب ظلم بين للعيان


سالم
ابلاغ
12:27 مساءً 2008/05/15

 


السؤال لماذا لم نسمع بقصة علي المري، ولم يتم تبني القضية كما هي قضية الطالب حميدان التركي ؟ أشكرك أخي ناصر وأتمنى مواصلة الكتابة حول هذا الموضوع.


فهد العنزي
ابلاغ
12:45 مساءً 2008/05/15

 


أشكرك على هذا الطرح الدقيق والنظرة الشمولية للموضوع
فالبعض يفرح بل ويتعجب ويندهش من التأويلات الغريبة
ولكنها في الحقيقة تحت ظلال غير واقعية
لك التحية


صلاح
ابلاغ
01:00 مساءً 2008/05/15


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية