أجريت دراسة مهمة على المطلوبين أمنياً في المجتمع السعودي، ممن وردت أسماؤهم في القائمتين الأولى والثانية للمطلوبين وذلك بعنوان " الخصائص الأسرية للمطلوبين أمنياً وعلاقتها بالإرهاب والتطرف في المجتمع السعودي " أعدها الأستاذ الدكتور عبدالله بن حسين الخليفة من أعضاء الجمعية السعودية لعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية، وقد مثلت المطبوعات الدورية للمطلوبين التي تعبر عن آرائهم وتوجهاتهم السياسية (كصوت الجهاد ومعسكر البتار، ومجلة الخنساء، والصفحات المنيرة في شهداء الجزيرة) المصدر الأكبر لمعلومات البحث، حيث وفرت معلومات للباحث عن 49مطلوباً أمنياً، يشكل غالبتيهم الذين ظهرت أسماؤهم في قائمتي التسعة عشر أو قائمة ال 26المطلوبين، أو ممن شاركوا في عمليات انتحارية في المملكة أو ممن قتلوا في مواجهات أمنية مع سلطات الدولة.
خصائص المبحوثين
كشفت نتائج الدراسة عن خصائص المبحوثين السكانية (المتمثلة في العمر والموطن الأصلي والحالة الزوجية، وخصائص الأسرة التي نشأ فيها المطلوب) ففيما يتعلق بأعمار المطلوبين فقد تبين أن أعمار نحو 50% منهم تتراوح ما بين 22إلى 28عاماً، كما أن نحو 30% منهم تتراوح أعمارهم ما بين 29عاماً إلى 33عاماً. أما بقية ال 20% منهم، فتتراوح أعمارهم ما بين 36إلى 39عاماً، أي أن غالبية المبحوثين هم من هذه الشريحة العمرية الواقعة في سن المراهقة خاصة في بداية مشوارهم "الجهادي" في أفغانستان.
وفيما يتعلق بمواطنهم الأصلية، فقد اتضح أن منطقة الرياض تستحوذ بأكثر من ربع المطلوبين بنسبة بلغت نحو 26.53%، يليها منطقة مكة المكرمة بنسبة 16.32%، فمنطقة القصيم بنسبة 12.24%، فمنطقتا جازان وعسير بنسبة بلغت 8.16% لكل منهما، فالباحة بنسبة بلغت 6.12%، فالمدينة المنورة بنسبة 4.08%، أما المطلوبون المنتمون لمنطقة الجوف والمنطقة الشرقية فلا يشكلون إلا ما نسبته 2.04% لكل منهما من المجموع الكلي للمطلوبين، أي أن ثلثي المطلوبين ينتمون إلى منطقة الرياض، ومنطقة مكة المكرمة، ومنطقة القصيم، وهي من المناطق المعروفة بشكل عام بارتفاع معدلات التنمية الاجتماعية والاقتصادية مقارنة بسائر المناطق الأخرى.
وفيما يتعلق بالحالة الزوجية، فقد اتضح أن أربعة عشر من المطلوبين بنسبة 28.5% متزوجون. كما تبين أن ثلاثة من المطلوبين قد تزوجا وطلقا. أما غالبية المطلوبين البالغ عددهم 31مطلوباً، بنسبة 63.2%، فلم يتبين، من خلال مصادر بيانات الدراسة، أنهم متزوجون أو سبق لهم الزواج.
وفيما يتعلق بعدد الأولاد لكل منهم، فقد تبين أن خمسة من بين المتزوجين السبعة عشر، ليس لديهم أولاد، أما من لديه أولاد منهم (اثنا عشر مطلوباً)، فيتراوح عدد الأولاد لدى غالبيتهم ما بين 1إلى 3أولاد . وعليه، فإن غالبية المتزوجين من بين المطلوبين يقل عدد أولاده عن متوسط حجم الأبناء في الأسرة السعودية والتي تقدره معظم الدراسات ب 6أولاد.
خصائص أسرهم
وفي تبيانها لخصائص الأسر التي نشأ فيها المطلوبون، لم تتمكن الدراسة من الكشف عن الوضع الاقتصادي للأسرة إلا في حالات قليلة، إذ تشير المعلومات الواردة بهذا الخصوص في المصادر التي اعتمدت عليها هذه الدراسة إلى أن أبوي اثنين من المطلوبين (إبراهيم الريس وأحمد الدخيل) يعملان إمامي مسجد أحدهما في مدينة الرياض والآخر بالدرعية، في حين يعمل أبو أحد المطلوبين (عامر الشهري) موظفاً حكومياً بأحد المستشفيات بالرياض، كما يعمل أبو مطلوب آخر (يوسف العييري) تاجراً.
أما خالد البغدادي فقد وصفته تلك المصادر بأنه "من عائلة ثرية، وعاش حياة الرغد منذ صغره"، أما بقية المطلوبين فلم ترد أية معلومات بخصوص مهن آبائهم، وهو ما يدعو للقول بأن تلك البيانات لم تسفر عن اكتشاف نمط مشترك في هذه الخاصية بين المطلوبين، وربما يكون غياب مثل تلك المعلومات في سيرهم الذاتية والمقابلات التي عملت معهم في مصادرهم الإعلامية دليل على تدني مستوياتهم الاقتصادية، إذ لو كانت تلك المستويات متوسطة أو عالية لما ترددوا في الإفصاح عنها فيما أجري معهم من مقابلات أو ما كتب عنهم من سير.
ومن حيث طبيعة التنشئة الأسرية، فقد وردت معلومات بهذا الخصوص عن البعض منهم، حيث تشير تلك المعلومات إلى أن أحدهم (أحمد الدخيّل) قد نشأ في بيئةٍ صالحةٍ، وكذلك الحال مع خالد السبيت التي تشير أحد تلك المصادر إلى أنه قد تربى تربية مستقيمة. أما بقية المطلوبين فلم ترد عنهم أية معلومات عن البيئة الأسرية التي عاشوا فيها. ومع هذا وبتحليل سلوكهم الاجتماعي، والذي لا يمكن عزله عن البيئة الأسرية التي عاشوا فيها، حيث من الممكن القول إن تلك البيئة الأسرية ليست على أحسن الأحوال بيئة متماسكة أو قادرة على ضبط سلوك أبنائها، الأمر الذي جعل شخصياتهم وذواتهم الاجتماعية تتشكل بعيداً عن إطار الأسرة والثقافة الاجتماعية السائدة.
وفيما يتعلق بخصائصهم التربوية، فقد لوحظ أن الحاصلين على درجات علمية مرتفعة (البكالوريوس فما فوق) لا يشكلون إلا نحو 12% فقط نصفهم يحملون تخصصات شرعية، أما الحاصلون على الشهادة الثانوية فيشكلون ما نسبته 14.3%، غالبيتهم من حملة ثانوية المعاهد العلمية. أما الحاصلون على شهادة المرحلة المتوسطة فيمثلون أيضاً ما نسبة 14.3%. والحاصلون منهم على شهادة المرحلة الابتدائية فلا يشكلون أكثر من 6% من المجموع الكلي للمطلوبين.
أما غالبية المطلوبين البالغة نسبتهم 53.1% فلم ترد أية معلومات عن مستوياتهم التعليمية في المصادر التي اعتمدت عليها الدراسة، وهو ما قد يعني أن مستوياتهم التعليمية متدنية، أي ابتدائي فأقل. كما تم في هذا الإطار الوقوف على مسألة الانقطاع عن الدراسة، فقد اتضح أن غالبية من لم يحصل منهم على الشهادة الجامعية فما فوق قد تركوا مقاعد الدراسة في المرحلة التعليمية التالية للمرحلة التعليمية التي حصلوا عليها، حيث بلغ عدد المنقطعين عن الدراسة نحو 12مطلوباً بنسبة 24% من المجموع الكلي للمطلوبين.
كما تبين فيما يخص الالتحاق بحلقات القرآن الكريم قلة الملتحقين بتلك الحلقات قبل سفرهم الجهادي، حيث لم ينخرط فيها إلا أربعة فقط بنسبة 8% فقط، أما خلال وجودهم في خارج المملكة لأغراض "الجهاد"، فقد تردد عن كثير من المبحوثين مداومتهم على قراءة القرآن الكريم وقراءته.
وفيما يتعلق بصلة المبحوثين بالدروس العلمية الشرعية التي يلقيها كبار العلماء في المساجد في المملكة، فقد تبين بهذا الصدد أن عدداً أقل من المبحوثين (إثنين فقط) قد التحقا بتلك الدروس، وهو أمر يؤكد على حقيقة أن توجهاتهم الدينية المتشددة فيما بعد لم تكن وليدة الوسط الأسري والاجتماعي الذي نشأوا فيه في المملكة بقدر ما هي نتائج تجربتهم في السفر الجهادي خارج الوطن.
السفر الجهادي
ومن خلال تحليل بيانات المطلوبين أمنياً المتعلقة بتجربتهم في السفر الجهادي تم الوقوف على الدول التي سافر لها المبحوثون لأغراض الجهاد، وتبين أن أفغانستان تتقدم سائر الدول الأخرى من حيث عدد المبحوثين الذين سافروا إليها للاشتراك في الجهاد، فقد بلغ نسبة المبحوثين الذين سافروا إلى هناك نحو 59%. أما بقية الدول التي سافر لها المبحوثون بقصد الجهاد فهي كل من الشيشان بنسبة8.1%، فطاجكستان بنسبة 4%، فكشمير والجزائر والبوسنة والهرسك والصومال التي لم يشكل المسافرون إليها لأغراض الجهاد إلا نسبة ضئيلة. كما تم الوقوف على الاختلاف بين المبحوثين أنفسهم من حيث عدد الدول التي قصدها كل منهم للجهاد، وتبين من خلال ذلك ما يدل على أن الاتجاه نحو التشدد والإرهاب يزداد لدى المطلوب مع تعدد الدول التي سافر إليها "سفراً جهادياً". وبالمقابل فإن هناك ثلاثة من بين المطلوبين الموضحين في الجدول ممن لم يسافروا على وجه التحديد إلى أي من تلك الدول "كسفر جهادي"، أما بقية المبحوثين السبعة عشر، فلم يرد في المصادر التي اعتمدت عليها هذه الدراسة أية إشارة إلى مشاركتهم في السفر الجهادي في أي من تلك الدول، وهو ما لا يعني بالضرورة عدم سفرهم لتلك البلدان بقدر ما يعني نقصاً في البيانات المتوفرة عنهم بهذا الخصوص.
ومن ناحية أخرى اتضح وجود علاقة بين الظهور في قوائم المطلوبين وبين السفر الجهادي، فقد تبين أن نحو 82% من الذين سافروا إلى أفغانستان ظهرت أسماؤهم في قائمتي المطلوبين. وربما يعني ذلك أن تجربة السفر الجهادي إلى أفغانستان خاصة في مرحلته الثانية، أي في 1996فما بعد، أي بعد قيام حكومة الطالبان هناك، وكذلك انخراطهم في تنظيم القاعدة خاصة، قد آلت بهم إلى تبني مواقف واتجاهات وأفعال متطرفة، مما جعلهم يشكلون خطورة على أمن الدولة والمجتمع، الأمر الذي أدى إلى وضعهم على قوائم المطلوبين أمنياً.
كما تم الوقوف على توزيع المطلوبين حسب سنة السفر إلى أفغانستان، فتبين أن غالبية المطلوبين بنسبة 80% قد سافروا إلى أفغانستان في عام 1996وما بعدها، أي في فترة حكم الطالبان لأفغانستان، وهو ما أستدل منه على قلة المنخرطين في الإعمال الإرهابية في المملكة من الشباب الذين ساهموا في الجهاد الأفغاني في مرحلته الأولى، أي المرحلة التي امتدت مع بداية الغزو السوفيتي لأفغانستان حتى خروجه مندحراً عام 1989م. فكل الذين سافروا إلى أفغانستان من الأفغان العرب مع بزوغ نجم الطالبان في أفغانستان، أي منذ عام 1996م فما بعد، قدموا إليها لا للجهاد ضد السوفيت، كيف والسوفيت قد خرجوا منها قبل سبع سنوات منذ ذلك التاريخ، ولكنهم قدموا في فترة كان الصراع أفغانياً -أفغانياً .
العودة للوطن
ثم تأتي المحطة الثالثة في دورة حياة المطلوبين، والمتمثلة في العودة للأوطان، بعد أن كان ما كان من سقوط حكومة الطالبان وتشرذم تنظيم القاعدة على أيدي الأمريكان والدول المتحالفة معهم. ففي هذا المبحث تم تسليط الضوء على المطلوبين بعد عودتهم من "السفر الجهادي"، وعلى الآثار المترتبة على تجربتهم في السفر الجهادي، ولتوضيح ذلك فقد تم وضع تجربة "العودة للوطن" في السياق الزمني وارتباطاته السياسية والتاريخية.
لقد شكل "السفر الجهادي" بالنسبة للمطلوبين تجربة عميقة ذات تداعيات دينية وسياسية مختلفة شكلت منعطفاً مهماً في حياتهم، حيث ترتب عليها إعادة تشكيل وصياغة معتقداتهم وأفكارهم وهويتهم، إلى المدى الذي أصبحوا معه يحملون اتجاهات معادية لمجتمعهم وأنساقه الدينية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والسياسية على حد سواء. وقد ساهم في تعميق تلك المعتقدات والأفكار بعض المحطات التي مر بها المطلوبون قبل أن ينتهي بهم المطاف أخيراً في ارض الوطن والتي لا ريب في أنها ساهمت في زيادة تشددهم وتطرفهم وهو ما يتعلق بالتعامل معهم أمنياً حالة عودتهم من أفغانستان.
وفيما بعد شكلت تجربة السجن منعطفاً هاماً في أساليب تفكيرهم وتبنيهم لمواقف متشددة من النظام، فالانخراط في "الجهاد في جزيرة العرب أو التحريض عليه" -على حد قولهم - جاء لاحقاً وتابعاً لخروجهم من السجن، وهو ما يعزز مقولة أن تجربة السجن والاعتقال التي تعرض لها أعداد كبيرة من العائدين من أفغانستان بعيد سقوط حكومة الطالبان، لعبت دوراً كبيراً في ترسيخ الحقد لديهم على النظام بشكل عام، كما استخدمت تلك التجربة كوسيلة من قبل قيادات التنظيم ومنظريه لزيادة أعداد المنخرطين فيما يطلقون عليه في أدبياتهم ب "تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية".
والذي يبدو أن قرار نقل المعركة بعد سقوط حكومة الطالبان إلى ساحات المملكة العربية السعودية والتخطيط لتنفيذه كان أمراً منحصراً في عدد من القيادات التي كانت تربطها علاقات قوية وحميمة مع زعيم التنظيم، "فتجربة السجن" بالنسبة لهم قد لا تكون حافزاً لهم للانخراط في التنظيم داخل المملكة، ولكن تلك التجربة كانت أمراً مهماً في إقناع الإتباع ومن لهم سابق خبرة في الجهاد في أفغانستان بالانخراط في التنظيم، تحت الحجة الواهية والمزيفة التي يتردد الإشارة إليها في وسائلهم الإعلامية، والمتمثلة في أن ما تعرض له "المجاهدون العائدون" من سجن وتعذيب وإهانة، على حد قولهم، أفعال لا يمكن أن تصدر من نظام يدين بالإسلام، فيستدلون من ذلك كذباً وزوراً على كفرية النظام، وإقناع الإتباع بالخروج عليه والنيل منه، ويعزز هذا الطرح الفاسد ما عرف عن تنظيم القاعدة في اعتماده على نظام الخلايا العنقودية التي ترتبط فيما بينها من خلال القيادات العليا في التنظيم باعتباره تنظيماً يجنح للسرية فيما يقوم به من أعمال.
آثار التجربة
تبين في الدراسة أن تجربة "السفر الجهادي" قد خلقت لدى المطلوبين نوعاً من الوعي السياسي المفعم بالتخوف من "القوى الأجنبية" واقتناعا عميقاً ب "نظرية المؤامرة" بكل ما تنطوي عليه من معان وأبعاد. بل تجاوز الحد ذلك ليصل بهم إلى التطاول على الرموز السياسية والشخصيات الدينية في المجتمع إلى الحد الذي وصل بهم إلى استخدام أبشع العبارات وأغلظها في وصفهم والنيل منهم. كما شكلت تلك التجربة علاقة أو رابطة راسخة فيما بينهم.
كما تم الوقوف على صور من جوانب أثر تلك التجربة "أي تجربة السفر الجهادي"، على كل من "رؤيتهم للدوافع التي تقف وراء تنظيمهم "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" وعلى "الاتجاه نحو التكفير"، و"الاتجاه نحو العنف والإرهاب"، و"مواقفهم من الدولة"، و"مواقفهم من الأوضاع القائمة" و"مواقفهم من العلماء والمشايخ وطلاب العلم".
ولا شك أن إقدام فريق من المطلوبين نحو القيام بأعمال انتحارية فجروا من خلالها عدداً من المجمعات السكنية للأجانب في المملكة، كما قامت أعداد منهم باغتيال عدد من الغربيين وبخطفهم وقطع رؤوسهم، في حين آل الأمر بمعظمهم إلى الدخول في مواجهات مباشرة مع سلطات الأمن،كلها من الأمور التي تصور موقفهم العدائي من الدولة، مما أدى بالدولة إلى الدخول معهم في صراع دموي أسفر حتى الآن إلى مقتل نحو ثلاثين من المطلوبين الذين دارت حولهم هذه الدراسة، بنسبة 61% من المجموع الكلي للمطلوبين.
أما مواقفهم من الأوضاع الاجتماعية القائمة، فبنفس المنظور المتشدد من قيادات الدولة ورموزها ومؤسساتها ومن العلماء والمشايخ، فقد شخص المطلوبون المجتمع تشخيصاً متطرفاً، يقوم على النظر إليه في حالة ضعف شديد. كما ساد خطابهم التحريض من خلال نعيهم على العامة والدهماء سكوتهم عن كفريات الحكام ومداهنتهم وعدم الإنكار عليهم والكفر بهم، وانتشار ما يطلقون عليه "شرك الأحياء".
التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له