د. مطلق سعود المطيري
منذ أن قرأت "الحالم" لكولن ولسون، والذي ترجمه لنا الى العربية سامي خشبة، وموضوع التنويم المغناطيسي يشغلني بشكل مرضي جعلني أجمع الكتب والأبحاث في هذا المجال لأكتشف أن القليل منها يكتفي بطرح التساؤلات والكثير الباقي يمارس أنواعا من الإثارة أو التشويق لأغراض تجارية تحركها الرغبة في رواج بيع الكتاب، مع ذلك لا نعدم قليلا جدا من الدراسات تتناول مسألة التنويم المغناطيسي Hypnosis بشكل جاد في محاولة للوقوف على حقيقته: هل هو علم أم شعوذة.
الدراسات التي توفرت لي تتناول الموضوع تاريخيا، ومن المذهل أنها تعود بنشأة هذا العلم - تسميه علماً - إلى قدماء المصريين الفراعنة، والى الهنود الذين مارسوه في أغراض العلاج، ليس العلاج النفسي وحده وإنما العلاج الجسماني أيضا مع ذكر بعض الحالات التي عالج فيها الفراعنة أمراضا تسببها "الفيروسات" بالتنويم المغناطيسي، كما نسب إليهم أيضا أنهم استطاعوا تنويم الحيوانات بهدف زيادة إنتاج الألبان من البقر مثلا أو ترويض الحيوانات المفترسة. إن صح هذا فسيبقى اكتشاف العلاج بالتنويم لدى الفراعنة هو السر الثاني مع التحنيط. لكن دراسات أخرى ترجع صحوة هذا النشاط البحثي إلى العالم الألماني فرانز أنطون مسمر ( 1734- Franz Anton Mesmer 1815)الذي اكتشف ما أسماه بالقوة المغناطيسية الحيوانية مما أثار حوله وحول تطبيقاته جدلا هائلا اتهم فيه بالساحر والمشعوذ ورجل القوى الخارقة والعالم ورغم ذلك اعتبرت دراساته هي الأساس في أبحاث التنويم.
هنا ميزة كولن ويلسون وطريقته الفريدة في التنويم، طريقة سهلة ويمكن أن يجربها أي إنسان حيث لا تحتاج إلى مهارات أو مواهب أو قدرات أو أدوات خاصة، هذا على الرغم من أن هذا الرجل في الأساس أديب محدود الموهبة وإنما صنعت منه آلات الدعاية الأمريكية أديبا أسطوريا، وأعترف أنني تحاشيت شرح طرق هذا الرجل في بداية الكلام، خوفا من أن تنام مني قبل أن تكمل القراءة، إذ حدث مرة أثناء قراءة الكتاب أن حاولت تطبيق إحدى نصائحه فأفزعتني. كان يقول: "اجلس في استرخاء تام على كرسي، لا تفكر في أي شيء، وأغمض عينيك، تخيل أن خلفك فراغا من الظلمة بلا نهاية، أترك المدى لهذا التصور، وإن أحسست أن الكرسي بدأ يتحرك بك في هذا الفراغ فعليك تنمية هذا الإحساس، الظلمة تحيط بك من كل جانب الآن، كأنك فقاعة في الفراغ، تبدأ الحركة بطيئة ثم تتزايد تدريجيا كأنك تهوي من شاهق، أترك فرصة لهذا الإحساس..." وعندما شعرت أن الكرسي بدأ يتحرك بالفعل نهضت مفزوعاً، لأنني لم أكن أعرف إلى أي بلاد الدنيا سيحملني!
هناك أبحاث أخرى تناقش مسألة التنويم الذاتي، بمعنى أن يتولى الإنسان تنويم نفسه بنفسه دون حاجة إلى وسيط، وأعجب لو صح هذا فكيف يوقظ النائم نفسه بنفسه مرة أخرى!!
لكن ما يشغلني حقيقة هل هناك "تنويم جماعي" ينام به كل الناس مرة واحدة، وفي وقت واحد؟ وقادتني تأملاتي إلى أن التنويم الجماعي موجود، وضحاياه كل الشعوب النامية، وأحدث طرقه أن تصدق الشعارات التي تقول "النظام الجديد يمنح الحريات" بينما هو يسلبها من النائمين، و"العولمة الاقتصادية تحقق أحلام الثراء للفقراء" بينما هي تنشر المجاعات في بطون النائمين، و"العولمة الثقافية تتيح للجميع الإفادة من منجزات الفكر البشري" بينما تمتد يد على وجوه النائمين تمسح ملامح الهوية وجذور الأصالة.