تبذل أمانة مدينة الرياض مجهودًا في الاهتمام بالأحياء الجديدة من حيث التخطيط لمساحات مناسبة في السكن ومساحات واسعة للشوارع ووضع حديقة في كل مربع كبير، وتحديد أنشطة المحلات في بعض الشوارع لخدمة أهالي الحي.
وكنت من المتفائلين أن ذلك الاهتمام سيشمل كذلك تشجير الشوارع بالنباتات الكبيرة والصغيرة المناسبة لمساحة الجزيرة التي تفصل بين ممرات الشوارع في الأحياء. ولكن من يتابع ما يحدث منذ عدة أسابيع في حي الحمراء وهو من الأحياء الجديدة في شمال شرقي الرياض سيجد أن هذه الأمنية لم يعد لها مكان على أرض الواقع. فبدلا من تشجير الشوارع والاستفادة من المساحات الفارغة بوضع الأشجار والنوافير المائية فيها لتلطيف الجو والمساهمة في خلق بيئة طبيعية، نجد أن أغلب شوارع الحي قد رصفت جزرها بالبلاط وأصبحت صامتة جامدة.
والواقع أن مدينة الرياض تتمتع بحر شديد مرهق، يصطلي بناره من يتعرض للشمس وخاصة من يعمل أكثر من فترة ويضطر للخروج من المنزل عدة مرات في اليوم. وحينما تصبح الشوارع خرسانية، ليس فيها لون أخضر، ولا فيها نسمة باردة، تلفحك الشمس الحارقة من كل الجهات وتكويك أدوات السيارة التي تلمسها، وتُجهرعينك الأشعة التي تخترق أسءمك النظارات الشمسية وأدكنها.. حينذاك ليس مستغربًا أن تجد نفوس الناس محترقة وأنفاسهم لاهثة باهتة وأجسادهم متألمة وعقولهم بعد ذلك متعبة. وهذا ما نلمسه حينما نقف عند إشارات المرور أو حينما تنقض السيارات بعد إضاءة إشارة المرور باللون الأخضر؛ فأغلب السائقين عابسون وغاضبون.
وهذا الأمر لا ينبغي أن يحصل، لأنه يمثل سلوكًا مدمرًا للأنفس وللعقول وللعطاء على المدى البعيد. قارن بين نفوس الناس وأمزجتهم حينما يأتي المطر أو حينما يجلل السماء غيم كثيف تختفي فيه الشمس قليلا أو تخف سطوتها على أدمغتنا، وانظر إلى حالهم في الليل أو في المدن والدول التي لا تتمتع بمثل ما تتمتع به مدننا من نار جهنمية في فصل الصيف.
الشخص العادي يعمل خلال اليوم بحدود عشر ساعات دون ملل أو تبرّم حينما يكون في مدينة ربيعية جميلة، وقد جرب عدد من الناس ذلك حينما عاشوا في مدن أخرى داخلية أو خارجية. ولكن الشخص نفسه يجد ذاته في الرياض مع الحر القاتل مشدودًا باستمرار إلى الأرض حيث الكسل والتعب والإرهاق والاكتئاب.
فلماذا لا تتكرم أمانة مدينة الرياض بعمل شيء مهم للسكان يضاف إلى مشروعاتها الأخرى الإيجابية؟ نريدها أن تساعدنا على التغلب على عوامل الطبيعة الصعبة التي تعيشها الرياض وخاصة في موسم الحر؛ فهناك وسائل كثيرة يمكن استخدامها للتخفيف من لهيب الشمس كتشجير الشوارع بالأشجار المتنوعة ذات الظل الوارف واللون الزاهي، وإلزام أصحاب البيوت أن يضعوا أشجارًا أمام بيوتهم وأن يهتموا بسقيها وتنسيقها، ووضع بحيرات صناعية وشلالات في كل حي تعمل من الصباح حتى المساء، ورصف بعض الشوارع التجارية -التي يكثر مرتادوها- ببلاط يبدّد الحرارة مع وضع المظلات في الشوارع التي يستخدمها المشاة. وبعض هذه الوسائل مستخدم ولكنه لا يتوفر بشكل كامل في حي واحد، ونتمنى أن تنفذ أمانة مدينة الرياض "مشروع تلطيف الجو" في حي واحد يكون نموذجًا يمكن تكراره في المستقبل.