
كان من المفترض أن يقيم الرئيس الفرنسي احتفالا ضخما يوم السادس من شهر مايو الجاري لإحياء الذكرى الأولى لانتصاره الكبير على سيغولين روايال مرشحة اليسار السابقة إلى الانتخابات الرئاسية. ولكنه فضل أن يكون هذا الحفل متواضعا جدا وأن يتم في قصر الإليزيه لافي مقهى "الفوكيتس" الواقع في جادة "الشانزيليزيه". بل إن ساركوزي حرص كثيرا على تجنب إقامة حفل جديد في هذا المقهى حتى لايقال عنه ماقيل قبل عام بالتحديد عندما قضى الليلة ضيفا على صاحب المقهى والفندف الملتصق به. فقد أساء له ذلك الاحتفال أكثر مما خدمه. وظل كثير من أنصار الرئيس الفرنسي الحالي والمتعاطفين معه يستدلون بالليلة التي قضاها ساركوزي في ذلك المقهى للتأكيد على أن الطريقة التي يتعامل من خلالها الرئيس مع بعض رموز المال والنجاح يستهجنها عامة الفرنسيين. وصحيح أن أحد الأسباب الأساسية التي جعلت صورة الرئيس الفرنسي تسوء لدى الرأي العام هو هذه العلاقة التي يقيمها مع مثل هذه الرموز ومع الركض وراء وهج الأضواء الإعلامية. وهو ما حصل مثلا من خلال قصة رحلات الاستجمام والاصطياف التي قام بها مثلا إلى مالطا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو قصة طلاقه مع سيسيليا زوجته السابقة وقصة زواجه من كارلا بروني الفنانة وعارضة الأزياء السابقة. وهو ما حصل مثلا من خلال التصريحات التي أدلى بها ساركوزي أو نقلت عنه والتي يقول فيها بلا حياء ولا أي مركب غرور أو نقص أو علياء إنه يحب الساعات الفاخرة والأشياء البراقة. وثمة قناعة عند البعض اليوم بأن الطريقة التي يتعامل من خلالها الرأي العام ووسائل الإعلام في فرنسا مع الرئيس نيكولا ساركوزي فيها كثير من النفاق. فالفرنسيون يلهثون وراء تسقط أخبار زواج ساركوزي وطلاقه وجلساته الخاصة. ووسائل الإعلام وبخاصة المكتوبة تسعى بدورها بكل الطرق إلى الركض وراء الأخبار المندرجة في هذا الإطار حتى ترفع مبيعاتها وتحاول التخلص من أزمة حادة تردت فيها منذ سنوات. وبعد أن يقرأ الفرنسيون كل شاردة وواردة عن حياة الرئيس الشخصية يعيبون عليه ذلك.
القدرة الشرائية
وشيئا فشيئا اكتشف ساركوزي بنفسه أنه بقدر ما يتجنب الركض وراء الوهج الإعلامي بقدر مايسلم من ألسنة الناقدين والمتحاملين عليه. ويقال إن كارلا زوجته الجديدة هي التي تضطلع بدور كبير في جعل زوجها يغير طريقة تعامله مع وسائل الإعلام رأسا على عقب مما يفسر مثلا إحجامه عن إقامة حفل ضخم بمناسبة مرور سنة على وصوله إلى سدة الحكم. ولكن ساركوزي يعلم أن ذلك غير كاف لتصحيح صورته التي ساءت كثيرا لدى الرأي العام الفرنسي خلال الأشهر الثلاثة الماضية. فبالرغم من أن الفرنسيين لايعترضون كثيرا على الإصلاحات الكثيرة التي وعد ساركوزي القيام بها والتي لاتزال متعثرة فإن هناك خيبة أمل كبيرة لدى عدة شرائح بسبب تدني القدرة الشرائية عندها. فأسعار مواد الاستهلاك والخدمات الأساسية قد اشتعلت خلال الأشهر الستة الماضية ولكن الأجور لم تتحرك بما فيه الكفاية. ويقول الباحثون والأساتذة و الموظفون الآخرون والمتقاعدون إنهم لم يعودوا قادرين اليوم على مواجهة غلاء المعيشة فكيف يكون وضع الفئات الفقيرة؟
وكان ساركوزي خلال حملته الانتخابية قد وعد بالعمل على تحسين ظروف حياة الفرنسيين المعيشية فاتضح لغالبية الناس أن هذا الوعد لم يتحقق. وكان ذلك سببا من الأسباب الرئيسية التي تقف وراء هزيمة الحزب الحاكم في أعقاب الانتخابات البلدية التي جرت في البلاد في شهر مارس الماضي. ويعلم ساركوزي أن الفرنسيين سينظرون إليه خلال السنة الثانية من مدته الرئاسية عبر طبيعة أدائه بشأن معالجة هذا الملف بشكل خاص.
ويبدو الرجل متفائلا بشأن المستقبل لأنه نجح على الأقل خلال العام الأول في تمرير عدد من الإصلاحات منها ذلك الذي يمنح الجامعات استقلالية أهم من حيز الحرية الذي كان لديها في السابق في مايخص مثلا تنظيم الدروس وانتداب الأساتذة. وهو يدرك أيضا أن الفرنسيين عموما مرتاحون لفكرة تطعيم الحكومة بعناصر لاتنتمي إلى الحزب الحاكم بهدف إشراك مزيد من الكفاءات الوطنية في معالجة أهم القضايا والمشاكل المطروحة في البلاد.
السياسة الخارجية
وكان الرئيسى الفرنسي الحالي قد وعد بانتهاج سياسة خارجية جديدة مع مستعمرات فرنسا الإفريقية السابقة تضع حدا للعلاقات التي كانت قائمة من قبل بين الأنظمة الحاكمة في البلدان التي قامت على أنقاض هذه المستعمرات وقصر الإليزيه. ولكنه اتضح لساركوزي بعد مرور سنة على وصوله إلى سدة الحكم بأن العملية صعبة وأن مصالح فرنسا الاقتصادية والاستراتيجية في القارة الإفريقية تضطرها إلى مواصلة التعامل مع أنظمة يعتبرها كثير من الفرنسيين وكثير من الأفارقة غير ممثلة لشعوبها. وبقدر ما يأخذ اليسار الفرنسي المعارض اليوم على ساركوزي تقربه من الولايات المتحدة الأمريكية و العمل على إعادة فرنسا إلى كل أجهزة حلف شمال الأطلسي الذي يظل بين أيدي الأمريكيين، بقدر مانجح الرئيس الفرنسي في القيام بعدد من المبادرات التي تذكر فتشكر في سجل سياسة فرنسا الخارجية. ومن أهمها معاهدة الدستور الأوروبي المبسط ومشروع الاتحاد المتوسطي. فالمشروع الوحدوي الأوروبي كان متعثرا جدا عند وصول ساركوزي إلى الحكم قبل سنة لأسباب عديدة منها اعتراض فرنسا وهولندا على مشروع الدستور الأوروبي الموحد عام 2005م. والحقيقة أن ساركوزي بذل جهودا كبيرة لإقناع شركاء فرنسا وبخاصة ألمانيا بضرورة إعادة إطلاق البناء الوحدوي الأوروبي من خلال مشروع دستور مبسط. ونجح في مسعاه هذا. كما نجح ساركوزي في إطلاق فكرة الاتحاد المتوسطي والتشديد عليها في الخطاب الذي ألقاه قبل سنة بمناسبة انتخابه رئيسا للجمهورية الفرنسية. وصحيح أنه اضطر إلى تعديل المشروع في الأشهر الأخيرة بعد تحفظ ألمانيا ودول أوروبية أخرى على نسخته الأصلية. ومع ذلك فإن ساركوزي متأكد اليوم من أنه سيطلق المشروع بشكل رسمي يوم الثالث عشر يوليو المقبل في باريس بحضور قادة دول الاتحاد الأوروبي والدول المتوسطية. ومن المنتظر أن تتولى فرنسا ومصر رئاسة الاتحاد المتوسطي الدورية لمدة سنتين انطلاقا من يوليو المقبل وأن تكون تونس مقر أمانة الاتحاد الجديد العامة. وإذا كان هناك انطباع يطغى اليوم على الانطباعات الأخرى لدى ساركوزي فهو انه لايزال أمامه مبدئيا أربع سنوات لفرض نفسه في الساحة السياسية الفرنسية باعتباره رئيسا شابا ومصلحا قادرا على الفوز مجددا على اليسار في الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستجري عام 2012م. ولاتبدو هذه العملية صعبة جدا إذا نجح ساركوزي في تحقيق جزء هام من الوعود التي قطعها على نفسه أمام الفرنسيين وإذا استمر اليسار الفرنسي مشتتا مثلما هو عليه الحال اليوم.