بعيدا عن الاهل والبيت في بيت لحم، ينشغل الشاب مجدي دعنا منذ ست سنوات بما يتاح في غزة من برامج تعليمية وتأهيلية، للتحايل على الوقت في هذا "المنفى" الذي وجد و 25تلحميا اخرين انفسهم فيه، عقب 39يوما من الحصار داخل كنيسة المهد.
دعنا الذي كان يبلغ من العمر 24عاما عند ابعاده، متشائم الان من امكانات حل قضيتهم في ظل التسويف والاشتراطات الاسرائيلية غير المحدودة، وهو ما جعله يخشى من ديمومة هذا "الابعاد المؤقت".
"منذ اربع سنوات صدرت تصريحات اسرائيلية تتحدث عن موافقة مبدئية بعودة 20من اصل 26من مبعدي كنيسة المهد إلى غزة. وبعد عودة الاتصالات السياسية مع الاسرائيليين اعيد فتح هذا الملف بقوة. وفي اللقاءات الاخيرة بين الرئيس ابو مازن واولمرت ابدى الاخير استعداده لاعادة اربعة فقط وبشروط المطاردين المشمولين بالعفو". يقول دعنا في اتصال هاتفي من غزة.
في الاول من نيسان 2002التجأ عشرات المطلوبين من مقاومين وسياسيين إلى كنيسة المهد ضمن مجموعة كبيرة بلغت نحو 250شخصا، عند اجتياح جيش الاحتلال لبيت لحم في اطار حملة السور الواقي.
ويستعيد دعنا تلك التجربة العصيبة التي تحل ذكراها السنوية السادسة هذه الايام، ويقول: ظنا ان قدسية المكان قد تمنع الاسرائيليين من الاعتداء عليه التجاأ اليه مقاومون ومواطنون وعناصر اجهزة امنية واطفال، ولم يكن مخزون طعام الرهبان يكفي سوى عشرة ايام وباقل من الحد الادنى، وبعد ذلك اضطررنا لاكل الاعشاب واوراق الشجر وسواها.
ويضيف "مثل هذا الامر كلف البعض حياتهم، فقد كان قناصة الاحتلال يتربصون باي جسم متحرك في نوافذ الكنيسة او في باحتها الداخلية".
واستشهد سبعة محاصرين وثامن متاثرا بجراحه، واصيب نحو 27اخرين خلال ايام الحصار بنيران قوات الاحتلال. ويستذكر دعنا اثنين من الشهداء سقطا في يومين متتاليين هما حسن النسمان وخالد ابو صيام من افراد الامن الوطني. "هذان الشهيدان بقيا بيننا 17و 18يوما. وضعناهما في تابوتين وانزلناهما إلى منطقة سفلية وعند اخراج الجثمانين كانا كمن استشهد قبل يوم فقط، من دون رائحة او تعفن او تيبس والدماء سالت منهما. اما باقي الشهداء فلم يمكثوا سوى ساعات قبل اخراجهم.
39يوما من الحصار والمعاناة، انتهت بصفقة مع اسرائيل تقضي بابعاد 13شخصا إلى بلدان اوروبية و 26إلى قطاع غزة، فيما افرج عن البقية بعد استجوابهم.
ويقول دعنا: لحظة الخروج في 10ايار 2002، هي الاكثر قسوة في هذه التجربة، كما يقول دعنا. "فبعد 39يوما من الحصار والجوع والقتل وشد الاعصاب، لم يسمح لنا بوداع الاهل، وكنا نرى الكثيرين يعتلون اسطح البيوت القريبة ويلوحون وينادون على ابنائهم. ولا يمكن نسيان صوت احدى الاخوات تنادي شقيقها ابراهيم. هذا ملأ قلوبنا غصة ومرارة في وقت لم نكن نرغب فيه بان نظهر ضعفنا وانكسارنا امام المحتلين.
وبالنسبة للاهل لم يكن الخروج وفق هذا السيناريو اقل قسوة، كما تقول شقيقة المبعد مجدي، مها دعنا: "تابعنا الحدث عبر التلفزيون، وقد كانت من اقسى اللحظات لا سيما ان مجدي هو الاصغر والوحيد بين اربع شقيقات، وكنا نستعد لتزويجه في الصيف القريب".
وتضيف: بمقدار فرحتنا بخروجه من الكنيسة على قدميه، الا ان مخاوف كثيرة ساورتنا بسبب غموض الاتفاق والوضع القاسي في القطاع.
"في غزة ورغم حفاوة الاستقبال شعبيا ورسميا، وما وفر لنا من مساكن ورواتب وغيرها، الا اننا اصبنا بنوع من الصدمة. كل شيء كان مختلفا، البيئة والعادات، وطباع الناس ونمط الحياة..".
الحياة مضت رتيبة مع مبعدي المهد، رغم الاحداث الكثيرة التي شهدها قطاع غزة. دراسة وعلاقات اجتماعية واسعة، وانتظار.. وخلال ذلك نأى الجميع بانفسهم وعلاقاتهم عن خصومات الاخوة ونزاعاتهم.
دعنا واربعة مبعدين اخرين ظلوا عازبين لغاية الان، وسبعة تزوجوا في غزة، والبقية التحقت بهم زوجاتهم وابناؤهم من الضفة.
قرابة العام مضى قبل ان يتمكن دعنا وزملاؤه من عناق احبتهم الذين وصلوا غزة، للمرة الاولى عن طريق الاردن ومطار العريش ومعبر رفح، وليس عن طريق معبر "ايرز".
وتقول مها دعنا : استعدنا الاحساس بالاسرة الواحدة للمرة الاولى بعد ابعاد مجدي. ابي وامي وواحدة من شقيقاتي، امضينا ثلاثة شهور عنده تحت سقف واحد.. غزة هي أبعد مكان في العالم.
ولكي لا نتركه وحيدا قررنا ان نقسم العائلة بابقاء الوالدة معه والبقية يعودون إلى بيت لحم وقد اقامت معه ثلاث سنوات. وخلال تلك الفترة تمكنا من زيارته خمس مرات اثنتان عن طريق الاردن ومصر والبقية بتصاريح عبر "ايرز"، اخرها كانت ابان الانتخابات التشريعية الاخيرة. وتضيف: قبل عام ونصف وعند توجهه لاداء فريضة الحج، طلب من الوالدة العودة إلى بيت لحم لانه لا يريد ن يحرمها باقي اسرتها. منذ ذلك الحين لم نستطع زيارته، ولم يعد هناك مجال للتواصل الا بواسطة الهاتف. غزة الان هي المكان المستحيل وليس الابعد فحسب. اما والدة المبعد مجدي والتي تتمنى لو انها لم تتركه وحيدا هناك، فلا يغيب نجلها الوحيد عن بالها وتتذكره كلما اعدت وجبة يحبها، وفي كل حفل زفاف، تتمنى لو تفرح به.
وتقول: مع الاحداث التي نسمع عنها في غزة نظل في حالة قلق عليه، ونسارع للاتصال به للاطمئنان. "عنده كنت مرتاحة لكن قلقة على البنات، والان قلقه عليه. راحتنا الحقيقية هي في لم شمل الجميع".