الحرب.. كبيئة طاردة للاستثمار!!
مقدماً لن يستطيع الوفد العربي المبعوث من الجامعة العربية، أن يفتح ثغرة في جدار لبنان المغلق على كل الحلول، والسبب أن المشروع العربي، وقف بالخطوة الأولى، وبوادر حرب قادمة هي الأكثر وضوحاً في الواقع الجديد..
سبق أن كتبتُ في هذه الافتتاحية أن أحداث لبنان لا تأتي عرضاً وإنما تُخلق بتوقيت محدد وبطرق منهجية تستهدفه، ولذلك بدأت شرارة الحرب الأهلية في السبعينيات لتتوافق مع الطفرة الهائلة بالخليج بعد ارتفاع أسعار النفط، وكان لبنان مركز الثقل المالي العربي، بمعنى أن استثمارات وسيولة نقدية هائلة كانتا ستذهبان إليه لولا الحرب التي عطلت ذلك، وتأتي الحالة الراهنة لتخرج المستثمرين الخليجيين من لبنان لذات الأسباب رغم الطفرة الهائلة الأكبر، وعدم قدرة البنوك والعقارات وميادين الترفيه والسياحة التي كانت قادرة أن تستقطب الفائض النقدي من هذه الدول لتذهب للبنان الساحة الأكثر تطوراً وربحية..
في المرة الأولى دعونا نفترض وجود المؤامرة بأقطابها من الداخل والخارج وأن إسرائيل هي المخطط والمستثمر، وحتى هذه الفرضية ليست صحيحة إذا ما علمنا أن تلك الحرب، ومن ثم قيامها ، تأتي بالترتيب الثاني أو الثالث بتكرارها بنفس العوامل والظروف والأزمنة، لكن هذه المرة لا نستطيع أن نجرد اللبنانيين في الداخل من صُنع المشكلة وتكبيرها، ومد ساحتها ليس على الأرض اللبنانية، عسكرياً فقط، وإنما على إثارة الثقة المفقودة في توجهه الاقتصادي والاستثماري باعتباره بيئة طاردة، وليست جاذبة، وهنا لا يأتي اللوم لفريق دون آخر، وإنما للبنية الأساسية للمكوّن السياسي والاجتماعي، حيث إن ما يجري، حتى لو لبس العمامة والطربوش وربطة العنق والحديث باللغة الفرنسية والعربية، والأرمنية والإنجليزية، فالسبب سياسيّ بدرجاته المنخفضة والعليا، وأصحابه يتجادلون ويتبادلون الاتهامات وحتى إطلاق الرصاص والقنابل لأسباب شخصية ومطامع في المراكز الكبرى التي تؤدي إلى هيمنة فريق على آخر..
تصوروا لو أن الفائض المالي والسيولة الهائلة توجَّه جزء منهما إلى قنوات اقتصادية لبنانية وبشراكة خليجية لسوف تتغير معالم بيروت والمدن اللبنانية، وتتوفر فرص عمل لكل المواطنين وتتحرك عجلة السياحة، والبنوك، والعقار، وحتى المطاعم ودور السينما وغيرها، وهنا لا نجد الإجابة عن تساؤل لماذا تحدث أزمات لبنان حينما ترتفع اقتصاديات الخليج، هل الموقف جاء صدفة أم أنه مخطط يدرك أن الازدهار الاقتصادي اللبناني هو جامع الوحدة الوطنية وركيزتها لأن حالات الاستقطاب الفئوي والحزبي، والطائفي، لا تجد مكاناً عند مواطن يتحرك مع الساعة في تحسين ظروفه المادية، ورفعها إلى مستوى الرفاه الاجتماعي عندما تتهيأ فرص العمل المفتوحة وذات العوائد الكبيرة؟
الغريب أن هذه الفرص التي لم يحصل عليها القطاع الاقتصادي اللبناني، لم تستفد منها الدول العربية الأخرى التي تملك مراكز مالية وسياحية، وحتى قطاع خدمات قابلاً للتطور بأن تكسب من هذه الظروف، والسبب يعود إلى أن الإجراءات الإدارية وقطارها البطيء ليسا بالمرونة والتطور والأداء الذي يسود عند اللبنانيين، وهذه المرة لا تجد المساحة الجاذبة إلا في تونس والقاهرة، وبقية البلدان العربية التي تفتقد التطور في إجراءاتها عاجزة عن أن تكون البديل، وبالتالي لا يلام القطاع الخاص الخليجي الذي يبحث عن المنافذ المستقرة والجاذبة أن يذهب إلى اتجاهات تتوفر فيها هذه العوامل خارجياً وإسلامياً..