"سعفة القدوة الحسنة".. من الجائزة إلى المؤسسة!!
الخيرون في هذا الوطن كثر، والقلقون من تفشي الفساد الاداري والمالي من الرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ والمنصب، والتحالفات الضارة بين ذوي المنافع على حساب الوطن والمواطن.. هم الاضاءة الجميلة عندما يتحول قلقهم إلى حراك اجتماعي يدعم فضيلة القدوة الحسنة، ويقاوم التآكل في قيم العدالة والانصاف والحقوق.
إن تراجع الوضوح في الأداء، وضعف المكاشفة، والتعمية على الحقائق، وحجب المعلومات والتضليل المتعمد والتعمية عن مواطن القصور والخلل.. والتحالف الضار بين ذوي المصالح والمنافع على حساب مستقبل وطن وحقوق مواطن.. عناصر تهتك في نسيج وطن، وعوامل تقرض في قيم ومثل، طالما كانت الضابط الأمين لحياة أفضل وأرقى. وعندما تغيب أو تضعف الوسائل التي تجعل التحقق من حجم هذه الظواهر التي تنتجها هذه الأساليب في ادارة الشأن العام، واكتشاف أبعادها وملاحقة مرتكبيها، تصبح المشكلة أفدح، والخطر أكبر.
في عالم لم يعد عالما معزولا، وفي ظل تحولات حركتها عناصر الثروة وآثار ظواهر الكسب غير المشروع.. وعدم مواكبة بعض النظم والقوانين والمؤسسات الرقابية لتلك المستجدات.. ظهرت مفاهيم بدأت تطرق الأبواب بشدة على مستوى المنظمات الدولية والمؤسسات الاقتصادية ومؤسسات المجتمع المدني تحمل عنوانا كبيرا وهو (الشفافية).
ومن الفضيلة مباركة أي جهد وطني، والإشادة به خاصة إذا اقترب من محاولة ملامسة هذا القلق بالحراك الممكن. المبادرة التي أطلقها الأمير تركي بن عبدالله بن عبدالرحمن عبر تأسيس جائزة الشفافية "سعفة القدوة الحسنة" هي تعبير عن محاولة كسر حالة قلق بالمبادرة باضاءة مساحة تعظم حضور القدوة الحسنة من خلال تحقيق معايير الشفافية أو تراجع مكوناتها، أو الآثار التي يمكن قراءتها في المشهد الوطني نتيجة هذا الغياب. إنها اعتراف لنماذج تستحق التكريم، وهي إدانة وتحذير أيضا من النقيض وهو غياب الشفافية.. إنها ممانعة لظواهر الفساد عبر تعظيم عائد الشفافية من خلال استدعاء القدوة الحسنة.
إن غياب الشفافية يشكل بيئة جيدة لاستشراء الفساد وغياب قيم ومعايير الاخضاع للمحاسبة، إنها محاولة كما يقول رائد المبادرة الى نشر ثقافة الشفافية وابراز وتكريم الجهد المدروس الذي يحقق نتائج محلية مثبتة المنافع للوطن والمواطن.
الاعتراف بفضيلة هذه المبادرة وقيمتها، يعني البحث ايضا في الوسائل التي تجعل من الشفافية ركنا مهما في قيم وعلاقات وأسلوب ونظام مجتمع. من الجميل ومن المهم أن نشر ثقافة الشفافية، ليس بوصفها قيمة في ذاتها فقط، بل كونها وسيلة لحياة أفضل ومجتمع أكثر عدالة ولنظام أكثر انصافا، أيا كان هذا النظام وأيا كانت مكوناته ظلال الشفافية تصل الى ابعد بكثير من المخزون في عقل قارئ لا تتجاوز لديه أكثر من بعد تقاسم المعلومات ودرجة عالية من الوضوح والمكاشفة الى مستوى أن تكون مسألة انسانية حقوقية بالدرجة الأولى تستهدف جعل هذا المواطن على صلة مباشرة بالمعلومة والقواعد والنظم والاجراءات وبالتالي صناعة القرار داخل اروقة مؤسسات الدولة والمجتمع. وبهذا تجعله أكثر قدرة على تقييم انجازها.. فالعتمة لم تكن يوما لتحقق لا درجة كافية من القدرة على القويم، ولا امكانية للبحث عن سبل المساءلة التي تعد الوجه الآخر للشفافية، انها جزء لا يتجزأ من تصور شامل يطال الحقوق وتكافؤ الفرص وتوزيع الخدمات واحترام الوظيفة العامة والوفاء بمتطلباتها، والتزام المعايير والأنظمة وشروط الممارسة. وهي وسيلة لاكتشاف الخلل والبدء في معالجة ومساءلة مرتكبيه.
في ظل تعقيدات الحياة وتكاثر الأنظمة وترابط المصالح في عالم اليوم، تبرز الحاجة الماسة للبحث عن وسائل تعين على اكتشاف مصادر الخلل، تأتي معايير الشفافية هنا لتكون هي المعبر للوصول الى نتائج تكشف ذلك الخلل، وتأتي بعدها وسائل كفيلة بمعالجة الخلل. ثقافة الشفافية بند كبير وواسع يتجاوز القدوة الحسنة فردا أو مؤسسة.. الى فهم ابعاد ظاهرة غياب الشفافية التي لا تحتاج الى ثقافة فقط لمعرفة آثارها على الدولة والمجتمع، بل تتطلب أدوات تعين على جعلها قيمة ومسؤولية أمام المجتمع. القيم الجميلة تظل قيما جميلة على المستوى النظري، لكنها تتحول الى شهادة على أرض الواقع عندما تخضع للممارسة، واكتشاف نتائجها وفضائلها، وعوائدها على الفرد والدولة والمجتمع.
إذا كنا معنيين بحقوق الإنسان التي أصبحت اليوم شرعة إنسانية وقانوناً دولياً، وقبل هذا وبعده كانت في تراثنا تشريعاً انسانياً وأخلاقياً ودينياً، فالشفافية ليست مفهوماً وإجراءً انتقائياً يقتصر على مؤسسات هنا أو هناك، إنها جزء لا يتجزأ من حق المعلومة، وحق الأمانة في الوضوح لتقدير الأداء واكتشاف الخلل أيضاً.. وهي قيمة ووسيلة في أن تطال المواطن، الذي له الحق الكامل في معرفة كيف تدار مؤسسات الوطن، فلا وطن بلا مواطن، وهذا المواطن الذي يُطلب منه المثول لقيم المواطنة، عليه أن يشعر أيضاً بحقه في فهم ما يدور حوله، وكثير من التباسات تقييم آثار القرارات أو الأنظمة مبعثه غياب شفافية الرصد بالآثار والمنجزات والمعوقات.
إن من فضائل إطلاق مبادرة "سعفة للقدوة الحسنة"، إنها تؤسس في مرحلة مهمة لفكرة الحراك الاجتماعي باتجاه تعميم ونشر ثقافة الشفافية أولاً، ومن ثم تصبح أيضاً مرجعاً لمعايير الشفافية، وعاملاً ضاغطاً باتجاه تحقيق تلك المعايير ورصد تلك المخالفات، ويمكن أن تكون ذراعاً حقوقياً مهماً في ابتداع وسائل أكثر فعالية لمواجهة تعقيدات وظواهر لابد من الاعتراف بها، ومواجهتها، وتأسيس حراك اجتماعي معترف به ومقبول يأخذ بيد الأنظمة لمستوى أن تصبح الشفافية جزءا لا يتجزأ من تكويناتها ووسيلة لا تتراجع أمام نشر بياناتها والتفاعل مع حق الشفافية، ومكاشفة لا تحتمل التظليل أمام هذا الشرط المهم والحاسم في مستقبل وطن وتطلعات مواطن.
مؤسسات المجتمع المدني أصبحت اليوم ضرورة ورافعة مهمة في مرحلة تتسم بأهمية أن يكون لها حضورها في قضايا الشأن العام وهل هناك قضية أو مسألة أكثر أهمية من هذه المسألة.. المبادرة خطوة رائدة ومهمة، ويمكن لها أن تمهد الطريق لجمعيات أخرى تعنى بهذا الأمر الذي يدخل في صلب مشروع إصلاح النظم وتعزيز حضور المساءلة، ودعم فعالية الصحافة ووسائل الرصد والمتابعة الأخرى.. نظام الجمعيات الأهلية الذي صوت مجلس الشورى أخيراً على بنوده الكاملة يمكن أن يفتح نافذة لتأسيس جمعيات أهلية فيما بعد تدعم هذه المبادرة.
ومن المهم التأكيد هنا أن الشفافية والقانون أو النظام ذراعان لا يمكن العمل بدونهما سوياً من أجل تحقيق خطوات إيجابية، تتجاوز مفهوم نشر ثقافة الشفافية إلى حصد نتائجها، فلا يمكن أن تكون هناك شفافية بدون قوانين وأنظمة ملزمة بالمكاشفة، ولا يمكن أن يكون هناك قانون أكثر اقتراباً من ملامح الإنسان ومستقبله واحتياجاته بدون حراك اجتماعي مدني من خلال مؤسسات تضع الدولة والمجتمع أمام استحقاقات مستقبل لا ظلال مرحلة.
الشفافية والمساءلة عناوين لا يمكن فصلها، فالتغني بالشفافية دون وسائل تمكن من مراقبة أداء غير شفاف وكشف ملامحه ومساءلته لن تكون مجدية، المواطن يقيس مكاسبه بالمتحقق لا بالقيم الثقافية العليا التي تطرز تكويناً ثقافياً نظرياً.. وهو يرى نماذج متلبسة أمامه وخلفه دون مساءلة أو مراقبة أو مكاشفة، وإن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن.. ولذا تظهر الشفافية عاجزة أن تعمل بدون أدواتها الكافية لمواجهة آثار غياب الشفافية.. العلاقة بين الشفافية والمساءلة علاقة تبادلية وطردية، فلا شفافية بدون تراكم وعي يعظم حضورها قانوناً عاماً في حياة مجتمع ولا معنى لهذا القانون أو النظام بدون مساءلة وتفعيل يضعان أمانة المسؤولية وكفاءة الأداء في صلب هذه العلاقات التي تدور بين الوسائل والغايات.
أبارك للأمير تركي بن عبدالله بن عبدالرحمن هذا التوجه وأدعو لدعم هذه المبادرة وتقديرها، وفي ذات الوقت أرجو أن تكون "سعفة القدوة الحسنة" فعاليات متواصلة ذات طابع مؤسسي مدروس وبرنامج يراكم الوعي وينشر ثقافة الشفافية ويضغط باتجاه تعميق هذه الدعوة وتعظيم آثارها.