أي قوة تستغل وطناً أضعف تستطيع احتلاله، لكنها لا تقدر على حكمه، والأمثلة في وطننا العربي كثيرة، فقد خرجت بريطانيا، وفرنسا من كل مستعمراتهما، وكان أشرسها في الجزائر، ولا تزال تعاني أمريكا في العراق مواقف لا تدري كيف تخرج منها، وعاشت إسرائيل نكبة مضادة في احتلالها بيروت ثم الشريط العازل في الجنوب عندما خرجت بأسوأ هزائمها..
حزب الله احتل جزءاً كبيراً من بيروت، ويستطيع إكمال المسيرة إلى معظم أجزاء لبنان، لكن ذلك لا يعني حكمه وإدارته بشكل دولة بشروط أمنية مستقرة، وتوافق تام من كل شرائحه السياسية والدينية، لكن ما يبدو من سياق الأحداث أن الأمور تدار بروح المغامرة، وهو الشيء الذي سيضاعف مشكلات الجميع، وهنا نأتي إلى صلب المشكلة..
فقانون أن ينفرد أي حزب أو طائفة بلبنان، هوإغراق بالتفاؤل الصعب، وعملية أن ينتشر جيش حزب الله في مواقع خارج نطاق المقاومة، تفتح جبهة جديدة مع أطراف لبنانية ليست على استعداد للتسليم بهذا الواقع، وحتى عملية التوسع، ستعطي إسرائيل فرصة شن هجوم يبرره تباعد فصائل المقاومة عن نطاقها الجغرافي والحساس، وفي حال دخول قوى فلسطينية أخرى تريد أن تستغل الفراغ السياسي والأمني في محيطها، فإن ذلك أيضاً سيكون خروجاً عن الواقع وسيفتح الطريق أمام إعطاء فرص أخرى لدول خارجية لأن تتصرف بما تعتقد أنه اتجاه مرفوض، وهنا قد يعيش لبنان حالة جديدة، إما حصاراً عسكرياً، واقتصادياً، أو تدويلاً يرسم حدوده مجلس الأمن والقوى الفاعلة إقليمياً وعالمياً..
المواجهة القائمة ستسجل خسارتها على حزب الله أكثر من غيره، لأنه سار في الطريق الذي سيجعل المتعاطفين معه في لبنان وخارجه على إثر هذا الانقلاب، وبعد معاركه مع إسرائيل التي توِّجت بالنجاح يضعونه أمام مساءلات عديدة، أقلها أنه ضد حرية الرأي بتدميره وسائل الإعلام التي تتجه لنقده ومغايرة اتجاهاته وأفكاره، وأيضاً يبرهن أن خططه تغاير، تماماً، حقيقة ما كان يرفعه كشعارات بأنه لن يُطلق رصاصة باتجاه أي لبناني، بينما غلءق الصحف ومحطات الفضاء وتدميرها، وحصار الشوارع والمنافذ، وإعلان الإغلاق التام لمعظم أجزاء بيروت ومنافذها على مدن الداخل والخارج بما فيها الميناء، وقتلى عديدون في الشوارع، وكلّ محرّكات هذه الأزمة هوعزل قائد أمن مطار بيروت، وهذه الحادثة تطورت إلى انقلاب قد يجعل هذا المبرر فجوة خطيرة في أمن بلد تتلاعب داخله العواصف، ولا يمكن أن يهدأ ما لم يدرك كل رجل في القيادات العليا أن إثارة غرائز الانتقام، أو التفرد بالسلطة له فواتيره من الدم، والدمار لكل ما بنته الإرادة اللبنانية في هدنة السنوات الماضية التي تلت الحرب..
لسنا ضد حزب الله، لأنه لبناني لحماً ودماً، ونعرف أن الطائفة الشيعية عانت في كل العهود الضغط، والإقصاء والفقر، لكن هذا لا يبرر أن تقدم رسالة مضادة وهي التي تعرف كيف تعالت قوة السود في جنوب أفريقيا في ثورتهم السلمية التي نادت باللاعنف وكسبت المعركة، ولبّت نداء الوحدة الوطنية ليتعايش السود والبيض في وطن واحد..
حزب الله لا تنقصه قابلية تطبيق السلم الاجتماعي، والفرص لا تزال قائمة لكن أن تنحدر الأمور من اتجاه الوحدة الوطنية إلى تفكيكها، فالاتجاه الذي تسير عليه قد لا يكون في كل الأحوال سالكاً..