بحث



السبت 5 جمادى الأولى1429هـ -10 مايو 2008م - العدد14565

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


حضرت الدولة فغابت المدينة

د. مشاري بن عبدالله النعيم
    مسألة التهميش في المدينة السعودية المعاصرة تبدو غامضة إلى حد كبير فرغم وجود بعض العشوائيات المحدودة في بعض المدن مثل جدة ومكة إلا أن ربط هذه العشوائيات بظاهرة "التهميش المديني" يصعب تأكيدها، ربما يكون ذلك لأن العشوائيات نفسها لم تكن في يوم مصاحبة لظاهرة تحديث المدينة في المملكة وبالتالي لم تصبح هذه الظاهرة حالة اجتماعية يمكن التوقف عندها كثيرا ومع ذلك فإن قولنا هذا لاينفي وجود العشوائيات حتى في بعض المدن والقرى الصغيرة فقد شاركت ضمن فريق دراسي للبحث في المستوطنات البشرية الفقيرة في المملكة وكان ذلك بتكليف من مؤسسة الملك عبدالله لوالديه للإسكان التنموي وذلك قبل سنوات وقام الفريق برصد العديد من العشوائيات والتجمعات الهامشية التي تشكل خطرا دائما على التنمية. والذي يبدو لي أن ظهور العشوائيات والتجمعات الهامشية على أطراف المدن هو نتيجة للفقر وعدم القدرة على البناء وهو الأمر الذي يقلقني بشدة هذه الأيام فإمكانية بناء مسكن لكل أسرة صارت تتقلص بحدة وبشكل ملفت للنظر فقبل عدة سنوات كنا نحرك الجرس بقوة حتى يصدر تحذيرا عاليا كي يسمعه كل مهتم ومخلص في هذا البلد. في تلك الأيام كانت أسعار البناء مقبولة ويمكن توفيرها، أما الآن فقد أصبح البناء "كابوسا مزعجا" حتى للطبقة القادرة ماليا فكيف بالمحتاجين والشباب. ما يحدث الآن يجعلني أضع يدي على قلبي لأني ارى مساحة التهميش المجتمعي في زيادة مضطردة وسريعة وهو الأمر الذي سينشأ عنه خلل في شكل المدينة وربما تبدأ تظهر عشوائيات حول المدن السعودية الكبيرة ليس بسبب النازحين إليها من القرى الصغيرة ولكن بسبب لفظها لسكناها الفقراء غير القادرين على السكن داخلها. مشكلة السكن تنبئ بوجود حالة من التفكك المجتمعي نتيجة لانقسام المجتمع إلى طبقتين إحداهما فاحشة الثراء والأخرى فقيرة بينما تتآكل الطبقة الوسطى التي كانت تشكل نسيج المدينة وتبعث فيها الروح والحياة.

كنت اقرأ في الصحف المحلية وأنا اكتب هذا المقال (يوم الخميس الفائت) النزاع الذي نشب بين المجلس البلدي في المنطقة الشرقية وبين أمانة المنطقة حول المنح السكنية، فقد بلغ عدد الطلبات المقدمة 180ألفا والامانة ليس لديها أراض سكنية بينما هي تقدم باليد الأخرى منح يقول عنها الأمين انها منح خاصة ولها نظام مختلف عن منح الأمانة. بصرف النظر عما يسميه الأمين "منحا خاصة" تبدو ظاهرة اختفاء الأراضي السكنية مزعجة جدا وتنذر بمخاطر كبيرة وإبقاء نظم المنح الحالي كما هو يعني عدم مبالاة وترك المشكلة كي تنفجر وبشدة.

قبل أيام قليلة وصلني إصدار كبير لأمانة مدينة الرياض يتحدث عن احتفالات الامانة بالعيد والحقيقة أنني تصفحت الاصدار ووجدت فيه رؤية الأمانة ولم أجد فيه ماذا يريد مجتمع الرياض. العيد واحتفالاته مفروضة من الامانة بشكل فوقي، فما يقدم للمجتمع يجب أن يؤخذ فلا يوجد هناك خيار آخر. ومع ذلك لا بد أن أشكر امانة الرياض على هذا السلوك الانساني الجديد الذي صارت تتبعه مؤخرا فتحويل المدينة إلى فضاء إنساني هو عبء كبير يتطلب رؤية ثاقبة لكني اتمنى أن يكون هذا العبء مشتركا بين الأمانة وبين مجتمع الرياض، اعتقد أنه قد آن الآوان أن يفطم مجتمع المدينة وأن تتاح له الفرصة في عملية اتخاذ القرار، على الأقل في كيفية احتفاله بالعيد. مشكلة المدينة ليست فقط في الصورة الدعائية التي تمارسها بعض مؤسسسات الدولة ولكن في تجاهل المشاكل الرئيسية التي تعاني منها المدينة. احتفالية المدينة هي حالة مجتمعية وليست مؤسساتية لكن مشاكل المدينة مازالت تمثل مسؤولية مؤسساتية وليست مجتمعية لذلك فإن التركيز على الأهم قبل المهم مسألة ضرورية (وأنا أتحدث هنا بشكل خاص حول إعادة النظر في أسلوب الإدارة المحلية للمدن السعودية).

نستطيع أن نقول إن مشكلة المدينة العربية ليست مادية بحتة ولكنها إدارية، فأسلوب تسيير المدينة هو الذي يصنع ظاهرة التهميش ويشكل كل السلبيات المجتمعية داخل فضاء المدينة، ومع ذلك يجب أن نؤكد هنا أن "التهميش المديني" ماكان ليحدث لولا وجود جذور تاريخية نشأت مع نشأة المدينة العربية الحديثة التي فرضت عليها الدولة كل سلطاتها وسيرتها كيفما يريد الساسة لا حسب رغبات وتطلعات من يسكن المدينة. ففي الدراسة التي قدمها الدكتور عمر الزعفوري (من تونس) لمجلة عالم الفكر الكويتية (أبريل-يونيو 2008) حول ظاهرة التهميش في المدينة العربية، يؤكد أن الدولة في العالم العربي "اغتصبت" المجتمعات الحضرية العربية من خلال تسلطها الذي لم يتح أي استقلالية ولم يتح المجال لمن يسكن المدينة كي يشارك في صنعها لذلك يتساءل "عن أي رأي عام نتحدث مادام سكان المدن العربية عاجزين حتى عن بلورة مطالبهم والتعبير عن احتياجاتهم في أشكال مؤسساتية منظمة"؟ كما أنه يؤكد أن "السياسات الحضرية في هذه المدن لا تنطلق من حاجيات المجتمع الحضري وإنما من الصورة التي تريد الدولة أن يكون عليها ذلك المجتمع، مما يجعل من مؤسسات المجتمع الحضري (جمعيات، منظمات، لجان أحياء، مجالس بلدية ...) مجرد أدوات في يد الدولة لتبرير سياساتها، فتبدو للملاحظ أجساما غريبة فرضت فرضا على مجتمع المدينة". ومن الواضح أن المدينة كمكون مادي واجتماعي لم يتشكل في الذهنية العربية المعاصرة كحالة يحدث فيها التفاعل والتجانس الاجتماعي وتتشكل داخلها المؤسسات المدينية التي تقود الدولة بل أصبحت مكانا يحقق رغبات السلطة ويفرض هيمنتها على مجتمع المدينة ككل، وبالتالي فإن حالة التشرذم والتهميش التي تحدث داخل المدن العربية هي نتيجة لغياب من يسكن المدينة عن أي دور فاعل فيها.

تظهر المخاطر التي يصنعها التهميش الاجتماعي داخل المدينة في تفشي الجريمة والارهاب والاحتقان الاجتماعي الحاد الذي يجعل من المجتمع ككل في حالة تفكك ويبدو أن هذه الظاهرة التي يجب أن نعمل جميعا على إيقافها تتطلب حضورا مجتمعيا، فإسلوب إدارة المدينة الحالي يؤكد حضور الدولة القوي ويغيب المدينة ومجتمعها بشكل كامل. نمو ظاهرة الجريمة مؤخرا (خصوصا في بعض القرى الصغيرة المحاذية للمدينة في مناطق المملكة المختلفة) يعبر عن ظاهرة تأثير التهميش الاجتماعي الذي حول فئة من الناس إلى أفراد غير فاعلين لا تعني لهم الحياة الشيء الكثير. المشكلة الحقيقية هي أن هذه الظاهرة في ازدياد، وهو الأمر الذي يعني أنه قد تتحول إلى خطر أمني في السنوات المقبلة إذا لم نتدارك الأمر من الآن.

3 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


نشكرك على هذه المواضيع الهادفه المنتقاه كما عودتنا


سعيد بديه
ابلاغ
09:19 صباحاً 2008/05/10

 


شكرا دكتور مشاري
يبدو أنك تلمس جراحنا جميعا وتقف على علاجها
أنت ناقد متفرد


عبد الرحمن
ابلاغ
09:36 مساءً 2008/05/10

 


موضوع في غاية الأهمية ويجب أن يؤخذ بعين الإعتبار.
مشاكل متراكمة من حيث البناء الذي أصبح كابوسا كما قال الدكتور أو قضية المنح الخاصة المؤسفة الى حد البكاء كما يقول الأمين.
ولكن أين الإحساس بالمواطن الذي يجب على الوطن أن يفكر فيه ولو بشكل هامشي لكي يعيش فالمواطن أصبح الأن لايريد أن يعيش في وسط المدينة ولكن يريد فقط أن يملك بيتاً !.
تحياتي.


عبد الله بن عبد العزيز النعيم
ابلاغ
12:27 صباحاً 2008/05/11


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية