عابر الأزمنة ...
د. مطلق سعود المطيري
1- فكرة كسر نظام دوران الأرض وإيقاعه من خلال سرعة أكبر من حركتها للوصول إلى زمن لم تبلغه بعد، أو من خلال سرعة عكسية ترتد إلى الماضي الذي تجاوزته الأرض والحياة عليها، هذه الفكرة تنوعت حولها موضوعات عدد هائل من المعالجات الأدبية والفنية، خاصة على شاشات العرض للسينما أو التليفزيون، بعض هذه المعالجات من قبيل ما يطلق عليه "الرواية العلمية Science Fiction" حيث يقوم فريق بابتكار آلة قادرة على السفر إلى الماضي رغبة في تصحيح خطأ وقع في زمن بعيد، أو إلى المستقبل رغبة في تلافي خطر قادم عند العودة من رحلة السفر، أو عالم يبتكر مادة تفكك الجسد إلى ذرات في زمنه لتجمعها مرة أخرى في زمن آخر ومكان آخر، والأمثلة لا تنتهي، ولا يكف الخيال البشري عن إفراز أعمال أكثر إيغالا على تلك الساحة المحكوم عليها سلفا بمحال المحال. لكنه يبقى دائما السؤال المعلق عقب مشاهدة أي تجربة من هذه التجارب : لماذا شكل الانتصار على حركة الزمن كل هذا الهم والانشغال؟
2- هناك سباق آخر يتقاطع مع هذا السباق، طرف فيه الأجهزة الحكومية والقيادات، والطرف الثاني العامة، سواء كانوا من البسطاء أومن الفنانين والأدباء والمشتغلين بالفكر، إذا زادت سرعة العامة عن سرعة القادة زادت المطالب والاحتياجات وارتبكت الأجهزة وظهرت الزعامات الشعبية، وإذا استبقت القيادات تقدمت الحياة رغم كل ما تواجهه تلك القيادات من تحديات وعرقلات، لأن تخلف الشعوب إذ ذاك يشكل كتلا من الرصاص معلقة في رقاب القادة أو في أرجلهم تعطل سرعة الانطلاق أو تحاول، ويكاد هذا الارتباط بين حركة الحاكم والمحكوم يشكل قاعدة في حياة الشعوب، والعبرة دائما بموقع الحالم، إن كان صاحب قرار ترجمت معطيات الحياة تفاصيل الحلم، وإن كان الحالم لا يملك سلطة أو وسيلة تبددت أحلامه قبل أن يصحو من غفوته، هذا على الرغم من أن المسافة بين السابق والمسبوق غالبا ما تكون بالغة القصر..!
3- جلالة الملك فيصل - يرحمه الله - لم يكن مجرد زعامة نادرة في حكمته وعدالته وسمو روحه وفكره في تعاملاته مع أطروحات السياسة الدولية أو إدارته للشئون الدولية، فهذه من أبسط ما سجلته عيون الباحثين والكتاب وشهد به المؤرخون، ولكنه بالنسبة لي يبدو النموذج الإنساني الذي أعيى خيال كتاب الروايات العلمية، القادر على عبور الأزمنة برؤاه . لم يكن يفكر في شكل الحياة بعد عام أو عشرة أعوام ويستجلبه إلى اللحظة، وإنما كانت رؤيته تخترق محال المحال فتمد بصره إلى مسافات فلكية، حد أن حياتنا اليوم بأدق تفاصيلها كان يراها قبل خمسين عاما، يضع أساسا لاستجلابها، ويمهد طرقا للقادمين بعده يتممون المهمة، فإن أردنا شاهدا واحدا لا علينا إلا أن نتأمل المرأة السعودية وإنجازاتها في كل المجالات بعد أن أتمت تعليمها، ونسأل أجدادنا كيف كان حجم التصدي لقراره بتعليم الفتاة .. ولكنه أصر بعناد نبيل .
4- كنت أتأمل حجم الفخر على وجه أب، يشكو أنه لم يع يرى ابنته، الطبيبة السعودية التي لم تتم عقدها الثالث بعد، إلا في صالات المطارات، لأنها ابتكرت منجزا طبيا عالميا فشغلت قوائم المواعيد من مراكز البحوث الدولية ومن المستشفيات في مختلف بلاد أوروبا وأمريكا كل ساعات أيامها، لتجري أمام كبار الأطباء المعروفين عالمياً عملياتها الجراحية، أتأمل وجه الأب الفخر بابنته وأرى فيه وجه كل أب سعودي، وخلفه في البعيد وجه كبير يملأ كل فراغات الأمكنة للفيصل يرحمه الله.