حينما صدرت التوجيهات الكريمة بالحد من الاحتفالات الإعلامية بزيارات المسؤولين.. كان الهدف هو توفير تلك الأموال التي تنفق على المظاهر، وصرفها نحو ما يخدم دور تلك القطاعات ورسالتها الوطنية.. لكنني بت على قناعة أننا قوم مولعون بالبهرجة ونصب المنابر وتدبيج الخطب والاحتفاليات حتى ولو لم يكن لها أيّ معنى!.
كل ما حدث أن الصحف هي التي خسرت أموال إعلانات الترحيب والتهليل، فيما عاد أولئك المصابون بنقص المناعة الإعلانية إلى التحايل على القرار بإنفاق تلك الأموال على البوسترات ولوحات الشوارع والميادين والمطبوعات المصقولة والبراقة والفارغة من المحتوى والمضمون، واستخدام كل تقنيات الإعلام لمعاودة تضخيم احتفالياتهم بما لا يتناسب مع عائداتها الحقيقية.
لا يكاد يمر يوم واحد دون أن تصفع بصرك عشرات المعلقات من اللوحات في مختلف الشوارع وعلى كل الجدران، التي ترحب وتطبل وتزمّر، تعود في اليوم التالي.. تفتش عن الأثر فلا تكاد تجد شيئا يذكر!.
ندوات، احتفالات، محاضرات، ملتقيات عن الصحة وعن التربية وعن التوعية وعن وعن... تثقب ملصقاتها وإعلاناتها قاع العين وتؤذي بصر الضرير، وحين تُرفع تلك الملصقات الملونة من مكانها وينفضّ السامر.. تحاول أن تدرب ذاكرتك على القدرة على التقاط آثارها فلا تجد إلا الهباء!.. فالمحتاجون للعناية المشددة لا يزالون بعد المؤتمر الطبي ينتظرون خلو السرير، و المدارس بعد الندوة التربوية لا تزال تنتظر الماء الصالح للشرب، والحالمون بالحلول لمعضلة الغلاء لا يجدون بعد الملتقى التجاري سوى جشع التجار، والمفجوعون بحوادث المرور لا يجدون إلا المزيد من التهور.
إنهم يحاضرون ويلتقون ويحتفلون للإعلام ومن أجل الإعلام، هكذا يبدو، وحين يتبادلون القبلات بعد حزمة من ورش العمل ولا عمل، لا تكاد تجد سوى قصاصة هزيلة بتوصيات فضفاضة تستعصي على التطبيق لتعود حليمة إلى عادتها القديمة.
أريد ملتقى واحدا أنجز ما يوازي عُشر ما أنفق على إعلامياته؟.. أريد حفلا واحدا حقق عائدا غير التلميع بما يوازي نفقات بعض ضيوفه.
كم كنتُ أتمنى لو أن قرار البلديات في أخذ رسوم باهظة على لوحات المتاجر.. والذي صادر واحدة من أهمّ جماليات المدن.. قد طُبّق على هذه الملصقات المنطفئة.
لستُ ضد هذه النشاطات أقسم بالله لكني ضد هذا الترف العابث في ملتقيات وحفلات لا تساوي عائداتها الوطنية ما يُصرف على طباعة أحد ملصقاتها أو مجلاتها الملونة، وفهمكم كفاية!.