جريدة الرياض اليومية

الجمعه 4 جمادى الأولى1429هـ -9 مايو 2008م - العدد14564
[ الأولـــى | متابعات | شؤون دولية | محليات | لقاء | مقالات اليوم | طــب | ثقافة اليوم | الرأي | الرياض الاقتصادي | تقنية المعلومات | دنيا الرياضة | الكاريكاتير | محطات متحركة | الأخــيــرة | الصحفي الإلكتروني | ]
بالفصيح
بِرّ

عبدالله الناصر

"قصة"

* سيدي سيدي انهض بالباب رجل، رجل يسأل عنك.

يفتح عينيه بصعوبة ويقول: رجل يسأل عني..؟ واستعرض في ذهنه رجالاً كثرا وهو يمد رجليه نحو حذائه ثم يتكئ على عصاه ليستقيم واقفاً.. ولكنه أخفق في أن يتذكر أو يرى أحداً في ذهنه ممن عرفه سيسأل عنه..

قال للخادمة: يا "أنيسا".. دعي الرجل يتفضل.

ارتدى ملابسه ببطء وتفكر، وحاول أن يعطر يديه فوجد قارورة الطيب الوحيدة فارغة.. أخذ يخطو بثقل وكأن سنينه الطويلة حطت فجأة على كتفيه. صار مضطرباً يهتز بوجل وخوف.. ليس هناك مبرر للخوف مطلقاً فكل ما يراه في حياته هو تلك الظلالات والأخيلة من صور الكفاح والحروب التي خاضها ضد الجهل والتخلف في بلدته. لم تمنحه المسافة القصيرة ما بين سريره وصالون الاستقبال أن يستمر في تذكُّر الماضي واستعراضه.. وقف بالباب وحدق.. الغريب أنه لا يزال يتمتع ببصر حاد ورؤية سليمة.. وتراءى له مظهر الرجل ولكنه أنكره، فلم يسبق له أن رآه.

وقف الضيف ثم أقبل إليه واحتضنه في حرارة.. تمنى هو أن تستمر حالة الاحتضان فقد قتلته برودة الغرفة وبرودة الزمن وبرودة الناس.. أخذه الضيف بيده وأصبح يسايره ويسنده حتى جلس على كرسيه المعتاد.. قال الضيف: لم تعرفني يا شيخ سلمان..؟ ضحك ضحكته البسيطة المفعمة بالود والحرارة والغربة، فالضحك يأخذ طابع الغربة حينما يصبح نادراً أو مستحيلاً بسبب فقدان دواعي الضحك. وقال: يا بني لم أعد قادراً على التذكر إلى درجة الجزم.. فلا تؤاخذني يابني. وأخذ يحاول أن يهدئ ارتعاش يده القابضة على جمجمة العصا حيث صار يضغط عليها ويعيد الالتفات ويتفرس في وجه الشاب، كان وجهاً مترعاً بالعافية والرجولة، تستطيع أن تعرف وجه الرجل النبيل كما تعرف صهيل الجواد النبيل. هز العصا وحرّك رجله على الأرض، وحدق في وجهه وقد تجمعت قواه الذهنية وقال وكأنه يكتشف شيئاً: أأنت سعد..؟ صاح سعد وقفز من مكانه وقبّل رأسه.

غادر البلدة منذ ثلاثين عاماً مع والده وكان عمره آنذاك لا يتجاوز التسع سنين، وأكلت الأيام والسنون بعضها، وأكلت زمن الصديقين، الشيخ سلمان ووالد سعد حتى تقطعت أسباب العلاقة بينهما بسبب شؤون الرحيل وشؤون الحياة وطرقها الصعبة المتعرجة، فقد كان راشد يغامر بحثاً عن لقمة عيش شريفة، وكانت الأيام تعانده وتصارعه وهو لا يستسلم ولا يلين ولا يظهر ضعفاً وإنما يبدي صلابة وقوة وتمرداً فنسي كل شيء إلا الكفاح الذي كسر أسلحته في يده، فاستبدلها وظل يستبدلها حتى سقط مجندلاً بجراحات عميقة جعلت من المستحيل عليه أن يستمر في خوض المعارك.. أصبح سعد نتيجة كفاح والده من الشبان المؤهلين.. وحقق نجاحات أخذت تسلط عليه الأنظار، والإكبار، والاحترام وحتى الغيرة من أصدقائه.. صار مسؤولاً مهماً، وحينما جلس على كرسي المسؤولية الضخم الفخم المحاط بالهيبة والجلال.. وضع صورة والده المقعد أمامه وصار دائم التحديق في الوجه المغضن المدمّى بالجراح وكدمات الأيام.. كان ينظر إلى أصابع يديه المتشققة وكفه المعروقة فيحمل الصورة بين يديه ويقبلها.. وربما ذرف على زجاجها شيئاً من دموعه خشوعاً وإجلالاً لهذا الفارس النادر النبيل..

وتراءت له صورة شخص آخر.. معارك أخرى ضاع في غبار السنين. صديق والده ذاك الذي كان يقطر المعرفة في عقول الناشئة كما تقطر العصافير الماء في أفواه صغارها.. لا يزال يذكر كيف كان الشيخ يحمل الكتب الدراسية على كتفه من سيارة اللوري الى مخزن المدرسة، وكيف كان يوزع الكتب بيده، وكيف كان يكتب عليها أسماء التلاميذ.. لا يزال يذكر كيف كان يعلمهم حفر الحروف في عقولهم حينما كان يقف أمام السبورة ويعلمهم قواعد الخط بالطباشير البيضاء.. كيف كان يقبض بأصابعه أصابع الطفل يشد على القلم ويعلمه كيف يخط، وكيف يخطو على الورق.. ثم كيف يعدل ويبدل ويحسن، لا يزال يذكر كيف كان الشيخ سلمان يعبئ جيوبهم بملبس الحلوى عندما يحسنون الخط، والإملاء.. كان الشيخ سلمان فلاحاً يغمس يديه في ماء الطفولة وطينها ويغرس الشتلات، والحبوب.. حتى أصبحت البلدة بسبب جهوده ومطالباته وإلحاحه في فتح المزيد من المدارس وجلب الأساتذة المتفوقين نموذجاً من نماذج الثقافة في المنطقة.

سأل عن الشيخ سلمان فعرف أنه أحيل للتقاعد منذ ثلاثين عاماً، وظل يسأل ويتحرى، ويمارس طريقة رجال المباحث في التحري ليس بحثاً عن المشكوك في ولائهم، وإنما بحث عن جواد أصيل أهمله صاحبه في الصحارى وأودية المجهول.. وأخيراً عثر عليه..

مشاهدة النسخة كاملة
عرض التعليقات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية