دولة.. أم دويلات لبنان؟!
معالم الصراع في لبنان تفتح الباب لمفاجآت جديدة قد لا تكون في الحسابات القديمة، لأن فراغ الرئاسة وحده قد لا يكون المشكلة أمام تنامي تغيير الخرائط على الأرض، وتفاقم قوة حزب الله الذي ظل لسنوات طويلة ليس له أي تأثير مهم للطائفة الشيعية..
موضوع ازدواج السلطة قد لا يُحسم بوجود رئيس للجمهورية بالتراضي، طالما أصبح وجود دولة داخل دولة هو الخط القائم، ولعل كشف شبكة اتصالات حزب الله ليس أمراً خارج التصور إذا كانت المبررات التي يرفعها أن هذه الدولة تخدم أطرافاً إسرائيلية وأمريكية، وأن هذا المشروع يأتي ضمن دوائر المقاومة وسرية عملها بما فيها وسائل الاتصال المستقلة.
خطورة هذا لموقف أن ما كان يلوح بالأفق عن فصل جديد يُبقي على التوازنات الداخلية صار خارج الحسابات، وحتى مع مبررات حزب الله أن لبنان مخترق من قوى تعاديه وتتآمر عليه، فالآخرون لديهم وهمٌ بأن هذا الحزب يمثل طائفة جذورها في الخارج، ويأتي له الدعم والمساندة المادية والعسكرية منها، وفي حال هذا الانقسام، فإن ما يلوح بالأفق هو أن لبنان ينزلق إلى مفاجآت أخرى، وربما من خلال هذه التفاعلات يصبح عرضة لتقاسم نفوذٍ، أو وصاية دولية تفرض وجودها بدوافع الأسباب القائمة..
فإسرائيل مستعدة لدفع القضية إلى حدودها القصوى، لأن نشوء كيان يمثل بداية دولة تأتمر من خلال دول تعتبرها على خط النار معها يدفعها لأنء تتصرف كقوة عسكرية لا بد أن تحسم أمورها بالقوة، وقد يصبح لديها الشرط الذي يدفعها لأي مغامرة، ثم إن أمريكا التي تتوزع أساطيلها على بحار المنطقة، سواء البحر الأبيض المتوسط، أو الأحمر، والخليج العربي، والمحيط الهندي بتواجد مؤثر، قد تجد نفسها مدفوعة بعمل عسكري متحالف مع إسرائيل، باعتبار تطابق وجهات النظر، وحتى المصالح والأهداف التي ترسم الاستراتيجيات العليا، تلتقي على هذه الحالة، وبسيناريوهات مختلفة، لكن بتوافق قد تكون دول أوروبية مثل فرنسا على قائمة الداعمين لمثل هذا التحرك..
الحلول الخارجية لم تعد مقبولة ولا حاسمة، طالما العجلة اللبنانية تدور في الفراغ السياسي، والمصيري، وما لم يخرج اللبنانيون عن تكسير الأصابع وليّ الأعناق، فالدواء العاجل قد يكون الجراحة الخطرة، وهذه المرة ربما تكون مدمرة للجميع، إذ حتى لو ذهب لبنان إلى الضياع وشبه الفناء في سبيل سلامة إسرائيل، فإن هذه المقايضة قائمة ليس على مستوى السلطات المتحالفة مع إسرائيل، أو من يعارضون التدخلات العسكرية فحسب ، لكن عندما يقترب التهديد لإسرائيل فإن قوى الكونغرس، والأحزاب المتصارعة في الداخل الأمريكي، سوف توحدها مشاكل لبنان وخطورته على أمن الحليف المدلل..
هنا سيكون فقدان شرعية الدولة اللبنانية لحساب كيانات أو دويلات تشبه "الكانتونات" مغامرة قد تجعل المصير اللبناني معلقاً على مجهول، لأن مختلف الدول التي تجد لها مصالح في لبنان ستضطر لدخول المغامرة مهما كانت النتائج، إذ لا تسمح ظروف المنطقة، ولا الظرف الدولي أن تنفرد قوة تتعاكس مع مصالح إسرائيل وأمريكا، بالشأن اللبناني ولذلك فالأجواء ملبدة بضباب كثيف قد لا ينقشع إلا على كارثة جديدة ومميتة..