النمو البشري في تخطيط المدينة... الوجه الآخر! (2-3)
د. عبدالعزيز قاري
قلت في الحلقة الماضية.. إن للنمو البشري وجه آخر غير الزيادة في العدد (الكم). وهو الزيادة في نضج.. ووعي ومعرفة البشر.. بأنفسهم وبمن حولهم من ناس وجماد وكائنات حية أخرى.. ثم القدرة على صياغة خيارات وأهداف بكل وضوح وتفصيل وشمولية وملاءمة، والمقصود بالتأكيد هنا الناس أفرادا وجماعات بشكل عام، والمؤسسات الحكومية وبالأخص المعنية بالتخطيط للمدينة وتنميتها بشكل أمثل وأكثر ملاءمة، والإبداع في ذلك..!
يعجبني في هذا السياق.. الفكرة النظرية الخلاقة التي تشبه الجهاز التخطيطي للمدينة بالعقل البشري، وعلى ذلك فهو قابل للنمو.. أي الجهاز التخطيطي، من حيث الوعي والنضج والمعرفة.. مثله مثل الإنسان.. ولذا فقد نقد كثير من المخططين في العالم، النموذج الخطي للتخطيط (أنظر الشكل الأول).
وذلك لأن من يرسم الخطة لا يعيش تنفيذها وبالتالي سيفتقر إلى الوعي والنضج والمعرفة الملائمة.. فهو في الغالب من خارج المجتمع.. وإذا كان يمتلك الوعي والنضج والمعرفة فإنها لاتكون بالبيئة التي خطط لها.. بل ببيئته التي أتى منها... وحينئذ سيحدث فجوة كبيرة بين المخطط وبين المنفذ، وبالتالي.. بين رؤية التكنوقراط وبين رؤية المنفذين الذين هم أعضاء في بيروقراطية ومجتمع آخر. ونتيجة لذلك فقد طوروا نموذجا آخر لعملية التخطيط تحولت بسببها العملية من مجرد عملية بيروقراطية، إلى عملية اجتماعية (انظر الشكل -2- ).
النموذج في الشكل 2، يمثل التحول المبدع إلى التخطيط كعملية اجتماعية، الغرض فيها هو زيادة الوعي والنضج والمعرفة للجهاز نفسه، للمخطط الذي هو في نفس الوقت الممارس والمنفذ والمتابع الذي يراقب الأداء أثناء التنفيذ ويستفيد مما يحدث في الواقع سواء كان سلبيا أو إيجابيا ويتواصل معه.. والمدهش هنا أن هناك إلتحاما مابين (الرؤية النظرية في الخطة وما بين الممارسة العملية في الواقع..).. ذلك أن الخطة هنا ليست قانونا يحرم انتهاكه وتغييره بل هي نظام إرشادي ذاتي.. غذاؤه هو المعرفة المنعكسة من الممارسة والعيش مع الواقع والتواصل معه، وبالتالي فهو نقطة انطلاقه للعمل.. للجهاز ولكل الأجهزة المعنية بتنمية المدينة.. وتنمية المدن...، بل حتى.. للناس عامة.. الذين هم أهل المدينة وسكانها والذين لاتقوم قائمة للمدينة إلابهم.. ومنهم.. سواء في إمكاناتهم للمساهمة بالرأي.. أو بقدراتهم وإمكاناتهم بشكل عام.
إن أحد المؤشرات المهمة لعملية النمو البشري بهذا المعنى المذكور آنفا.. هو تواجد الخبراء والمستشارين في المجتمع.. من خارج المجتمع.. والحديث هنا... ليس المقصود عدم الاستفادة منهم والتواصل معهم.. فذلك شأن آخر يدخل ضمن التعاون والتلاقح الحضاري بين المجتمعات.. إلا أن المقصود هو الاتكال والاعتماد الكلي المستمر.. إن أي مجتمع.. وأي مدينة فيها، بحاجة إلى أصحاب الرأي والوعي والنضج في شؤون العمران من أي مكان.. وأي ثقافة.. خصوصا في مراحل النشوء الأولى للجهاز.. وللمجتمع ككل.. ومن الضروري أن يكون في جوانب محددة... وقضايا معينة.. يمكن المعرفة فيها يكون أساسها مشترك وواحد.. مثل مثلا ضرورة وجود هياكل تحتية أساسية توفر الإنارة.. والماء.. والاتصالات.. أو وسائل النقل وشبكات الحركة.. ونحو ذلك.. أن كثافة تواجد الخبرة والمعرفة الأجنبية في رأيي، لابد أن تتناسب مع زيادة الخبرة والمعرفة المحلية.. فكلما زادت الخبرة والمعرفة والسيطرة المحلية ينبغي أن يتناقص وجود الأجنبي (بالذات غير المسلم)، لأن الحاجة إليه قلت وبالتالي فإن أي جهاز أو جهة وخصوصا في القطاع العام يتواجد.. فيها الخبراء الأجانب بكثافة عالية.. يعني في رأيي ربما أمرين: أولا.. أن الجهاز لم ينم بعد.. لم يصل إلى الوعي والنضج.. والسيطرة الكافية ليقوم بمهامه بنفسه.. ثانيا.... الثقة العمياء بالخبير الأجنبي وربما.. أكثر من ذلك كره أن يتولى الأمر الأقربون.. وربما بالذات.. بغض أن يتولى الأمر المسلمون واحتقارهم وعدم الثقة فيهم وفي علمهم وخبرتهم..! وربما هناك أسباب أخرى،..
المهم هنا هو ان نرتقي في وعينا.. ونضجنا... وبالتالي سيطرتنا على حياتنا... بعقولنا نحن... وسواعدنا نحن.. وحينئذ.. فقط.. لنا الفخر والاعتزاز.. بكل ما يصنع لدينا.. وفوق تراب الوطن.. كل الوطن.