الأبحاث في بلادنا.. وملامسة همومنا!
في بداية التسعينيات، كانت ألمانيا في مستوى متوسط بين دول العالم في المجال الحيوي، واليوم تحتضن ما يربو عن ثلاثمائة مؤسسة تعمل في هذا القطاع والألمان اليوم يهيمنون على السوق الاوروبية بهذا الحقل، حيث يتحمل الاقتصاد الألماني ما نسبته ثمانية وستين بالمائة للاستثمار في قطاع البحث والتطوير لتنال قطاعات الكيمياء والهندسة الكيميائية وصناعة الآلات والعربات نصيب الأسد من هذه الحصة وكما المسلم به فأبحاث الصناعة الألمانية اليوم تحتل موقع الصدارة عالمياً، الجامعات والمعاهد الألمانية تشكل الخلفية الداعمة للأبحاث وتحتل الموقع الثاني بعد الاقتصاد في الإنفاق على الأبحاث. وفي بريطانيا فقد قام احد البنوك الاستثمارية قبل عدة سنوات بمنح قسم الكيمياء بجامعة أكسفورد مبلغ عشرين مليون جنيه استرليني يتم بموجبها انشاء مبان جديدة مجهزة بأحدث المختبرات في سياق صفقة تجارية على ان يحق للبنك خلال خمسة عشرة عاماً الاستفادة من جميع المردودات المالية التي تنتج من الأبحاث العلمية التي يقوم بها قسم الكيمياء سواء كانت على هيئة براءات اختراع او كانت من القيمة المالية التجارية للشركات التي يتم إنشاؤها من رحم الاختراعات الجديدة أو بما يعرف بالشركات الممتدة Spinout Companies، وبعضها شركات تجارية مفتوحة للاكتتاب العام بسوق البورصة البريطاني.
وبالتالي فالأبحاث العلمية المجردة قد تحولت إلى شركات مالية واعدة. اما بالولايات المتحدة فقد ظهر قبل نصف قرن تقريباً ما أسموه بميادين الأبحاث والعلوم Research Park وقد بدأت من شمال كارولينا بمشروع مشترك بين ثلاث جامعات وعدد من الشركات التجارية وقد أصبح هذا الميدان البحثي والعلمي يتضمن ما يقرب من مئة وخمسة وأربعون شركة بحثية علمية يعمل بها ما يقارب من أربعين الف عامل، وفيما يتعلق بإنفاق إسرائيل على البحث والتطوير العلمي فقد بلغ ما يقارب 3.8مليار دولار في عام 2000م.
وطنياً، فقد اعتمد مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم على فكرة تنمية رأس المال الرمزي، حسب وصف عالم الاجتماع البريطاني بودريلار عند اطلاعه على بعض جوانب المشروع من خلال زيارته لمقر الملحقية الثقافية السعودية بلندن، والمقصود به تنمية رجال الاختصاص القابضين على مفاتيح المعرفة الأكاديمية والتجريبية للتوازي مع التنمية المادية نفسها، وهذا التوجه الجديد يهدف إلى تنمية اقتصاد المعرفة أي تشجيع الجامعات السعودية على الاهتمام بنشاط البحث العلمي والتطوير في المجالات المتعددة، ومن ثم فقد عملت وزارة التعليم العالي بلورة تلك الرؤى في مراكز أكاديمية بحثية لتتولى الصدارة مستقبلاً، إن شاء الله، على المستوى المحلي والإٍقليمي، وبالتالي فأبحاثنا لا تزال تعتمد على السخاء الحكومي!
ولو عدنا للوقت الراهن، لا تزال بعض الأبحاث الوطنية التنموية الفاعلة والصادرة متواضعة الكم بالمقارنة العالمية، سواءاً انبثقت من بعض أقسام الجامعات أو المراكز المهتمة بالبحوث، إذا كنا نعرف بعدم وجود أو ندرة المراكز البحثية المهيأة والمتخصصة بالإضافة لعدم توافر العدد الكافي، إذا قرننا النسبة بأطراد السكان، من الباحثين السعوديين الموهوبين في الإختصاصات البحثية والتقنية العلمية الحديثة بالإضافة إلى صعوبة تواجد الباحثين الأجانب بشكل مسمر من ذوي الكفاءات والمؤهلات، والأبحاث في بلادنا لاتزال تعتمد بشكل شبه تلقائي على الدعم الحكومي وفي الوقت ذاته تعاني من غربة استيعاب اهميتها في أنفس غالبية العامة ولربما اغلبية الطلبة الجامعيين، فلا يزال دور المناهج المدرسية والإعلام المحلي محدود في إظهار صورة الأبحاث وتطبيع اهميتها وثمن مردوداتها القيمة، بالإضافة إلى أن اغلبية الأموال المستثمرة في القطاعات الخاصة لم تولي اهتمامها، كما فعلت نظيراتها الأجنبية، لتبني ودعم ومساندة وتطوير التبرع للبحث العلمي لا تلقى رواجاً لدى بعض المؤسسات القادرة على التمويل أو حتى من قبل بعض الأفراد ممن يتوافر بهم شرط الدراسة الميدانية أو الأكلينيكة، حتى لو كان التبرع يتطلب مجرد أخذ عينة دم بسيطة! لأن استقراء اهمية المردود البحثي لم يستوعبها أولئك حتى اللحظة، كما ان انشطة جامعتنا تعتمد اغلبيتها على خطب ود المتواجدين في الحرم الجامعي أو المهتمين بنوعية النشاط العلمي، اذ ان الذائقة الثقافية والمعرفة التراكمية لتلك الأنشطة ربما لن تجد أصداء لدى العامة من المواطنين المحيطين بسكن الجامعة أو المنشأة البحثية.
في العام المنصرم قدمت جامعة شيفيلد البريطانية نشاطاً علمياً ذا طابع اجتماعي تثقيفي، حيث عمد اكاديميو اختصاصات التقنية الحيوية وعلماء الجينات الى اشراك طوائف المجتمع بأسلوب مبسط بعمل أنشطة تربط بينها وبين المجتمع بالشكل القوي المطلوب، فهذا القسم بجامعة شيفيلد فتح ابوابه للزوار وأدرج عنوان شيق على الموقع: العوائل بإمكانهم ان يلعبوا بحامضهم النووي DNA، حيث ان علماء الجامعة سيعطون عدد معين من الناس فرصة لاستخلاص حامضهم النووي ومن ثم سيناقشون للتثقيف حول أهمية هذا العلم وما وراء اختبارات الجينات بشكل عام.
الشيء الآخر الجميل الملفت للنظر هو ان نفس القسم عرض خلاصة بحث قام به حول جدوى الشاي الأخضر في زيادة المناعة ضد فيروس HIV أو مرض نقص المناعة الى غير ذلك مما تتباهى به الجامعة من توصلها إلى نتائج علمية وأبحاث مكتوبة باللغة البسيطة التي تفيد عامة الناس ويفهمها الشارع العام ويبقى على صلة بالجامعة، اذا لم يقرأ العامة النتائج العلمية للجامعة أو المنشأة فأين واجب جامعاتنا، على وجه الخصوص، التوعوي الملموس لمجتمع نصفه يعاني من امراض السكري ومضاعفاته، وبات يضطرد فيه نمو الأورام، السرطانية بأشكالها المختلفة، وزاد بضغطه على مركز الأمير سلطان لجراحة القلب من معتلي القلوب والشرايين، أما اجتياح امراض الكلى لمجتمعنا فحدث ولا حرج!