الملك فيصل.. التاريخ والذاكرة
(3-3)
المكانة العربية المرموقة والزعامة الإسلامية التي رحب بها الجميع لم تُخرج الملك فيصل - رحمه الله - من بساطته المتناهية ونادر جداً أن تجد رجلاً يتوفر له وهج الزعامة السياسية فلا يختفي عن حياة الناس بعزلة العظمة.. أو ترف السلطة.. الملك فيصل يذكر كثيرون كيف كانت سيارته تنطلق به إلى طريق الدرعية مع سائقه وبعض مرافقيه كي يتناول القهوة قبيل الغروب ثم يصلي وينصرف راجلاً مثل غيره ممن كان تقليداً عادياً لديهم الاتجاه إلى طريق خريص أو طريق الدرعية في مثل ذلك الوقت..
لقد حفلت حياته الخاصة بحقائق مشرفة انفراده بها جعلها طرائف تروى، فمثلاً حين قام أحد أبنائه - وأعتقد أنه المرحوم عبدالله الفيصل - باستبدال سيارته العتيقة بأخرى جديدة من نفس اللون لم يمرر ذلك بالتساهل ولكنه سأل عن سيارته الشخصية.. ما دمنا نتحدث عن وسائل النقل فإن أحد الزملاء قد روى في كتيب صغير ما ذكره الشيخ عبدالله كامل الذي كان مسؤولاً مرموقاً في الديوان الملكي عن حادثة طريفة.. يقول فيها إن إحدى بنات الملك فيصل كتبت لوالدها خطاباً تطلب فيه شراء سيارة جديدة لها.. سيارة فقط.. ومرت أشهر كلما وضع الشيخ عبدالله كامل الخطاب بين أوراق العرض تعود الأوراق وهي تحمل خطياً القرار الخاص بها فيما عدا خطاب السيارة.. أخيراً.. قالت الأميرة للشيخ لماذا لا تسأله شخصياً ما هو الحل..؟ وفعل ذلك عبدالله كامل فقال له الملك فيصل: أخبرها أن والدها لم يفكر بتغيير سيارته..
الرجل العظيم حرص على أن يربي أبناءه وبناته بسخاء أبوة محدود يوفر الإمكانيات في ممارستها المألوفة عند الآخرين وتبتعد عن الترف..
قال لي منذ سنوات طويلة السيد جميل البارودي والذي كان مسؤولاً من قبل الملك فيصل عن ابنائه الذين تعلموا في الولايات المتحدة الأمريكية كيف أنه كان يحاول أن يعطيهم شيئاً من خصوصية محدودة ولكن والدهم كان يصر على أن يعيشوا مثل أبناء الآخرين وأن لا يلحظ أي مبتعث بأي تمييز يختلف به ابن فيصل عن ابن أي رجل آخر..
هذا هو الجانب الشخصي.. عائلياً واجتماعياً لرجل عظيم تعرض لأقسى الضغوط وأشرس العداوات لكنه ختم ذلك بانتصاره وانتصار متجمعه ولأنه يدرك خطورة الانطواء والانغلاق على مسار التقدم الحضاري وتداول حقائق المفاهيم الإسلامية وأهم من ذلك يدرك أن والده المؤسس كان هو أول من رفض مسايرة الانغلاق أو الرهبة من الجديد الحضاري ومعروف ماذا كان موقفه - رحمه الله - من مشروع جوهري الأهمية والتأثير حين أصر على افتتاح مدارس البنات وحين استضاف علماء مؤهلين فقهياً وثقافياً كي يطرحوا عبر وسائل الإعلام الفهم الصحيح لمضامين الإسلام وكيف تتواجد وسطيته ويمارس تسامحه.. وقد كان البث التلفزيوني في مقدمة الريادات التي وثق بقدرتها على تعميم الوعي..