قبل عشرين عاماً تقريبا مررت بموقف كان له أثر كبير في تشكيل رأيي حول دور المورثات (أو الجينات) في رسم شخصياتنا.. كنا حينها مجموعة من الطلبة السعوديين في ولاية منسوتا اجتمعنا في حفل عشاء لتوديع أحد المتخرجين.. ورغم أن معظمنا كان من الشباب العزاب إلا أن بعضنا كان كبيرا ومتزوجا ولا يتحرك بدون أطفاله الصغار.. وكان من بين هؤلاء رجل من الأحساء لديه ابن في سن الثالثة لم أر في حياتي أكثر منه فصاحة وجرأة وحبا للحديث.. وفي المقابل حضر معه زميل آخر - لا أذكر من أين - لديه أبن في نفس السن ولكنه على عكس الأول شديد الحياء والانطواء ظل ملتصقا بوالده طوال الحفلة ...
وهنا بدأت أتساءل عن سبب الاختلاف بين الإثنين، وهل تلعب تركيبتنا الوراثية دورا مسبقا في بناء شخصياتنا !؟
.. فعلماء النفس يقولون إن صفاتنا الشخصية نتيجة طبيعية لتمازج بيئتنا المحيطة مع أصلنا الوراثي.. ولكن لاحظ هنا أن تأثير البيئة يأتي متدرجا ومتأخرا (من البيت، والشارع، والمدرسة، والثقافة المحيطة) في حين يظهر التأثر الوراثي فور نزول الطفل من بطن أمه ويلعب دورا مبكرا في صقل الشخصية وتشكيل الأرضية التي تتفاعل (أو تتنافر) مع بيئتها المحيطة..
فالطفلان السابقان مثلا يملكان نفس السن ويعيشان في نفس البيئة وكلاهما ولد لأب متعلم من نفس الثقافة والبلد - وبالتالي يحق لنا التساؤل عن سبب الاختلاف بينهما؟.. ولأن ظروفهما البيئية متشابهه لا يبقى غير التفكير في العامل الوراثي الذي يبدو واضحا وملاحظا في أسر وعائلات معينة !!
... وما ذكرني اليوم بهذا الموقف اطلاعي على دراسة ترجح دور الجينات - والعامل الوراثي - في رسم شخصياتنا ومستوى تقبلنا للظروف والمتغيرات المحيطة بنا.. فمعظمنا مثلا يعتقد أن امتلاك ثروة كبيرة أو سيارة جديدة يجعلنا أكثر سعادة وتمتعا بالحياة . غير أن علماء الأعصاب في جامعة أدنبرة اكتشفوا أن هامش السعادة الذي نتمتع به يعتمد بشكل كبير على جيناتنا وتركيبتنا الوراثية.. فحين يبدو البعض سعيدا ومتفائلا - رغم فقره وسوء حاله - والبعض الآخر تعيسا ومكتئبا - رغم ترفه وغناه - يصبح الفرق في الجينات والمزاج الوراثي..
وفي هذه الدراسة تم قياس خمس صفات شخصية يتمتع بها 973زوجا من التوائم المتطابقين وغير المتطابقين.. وكما توقع الجميع اتضح وجود تماثل تام في الصفات الشخصية لدى التوائم المتطابقين (بسبب تشابة العاملين الوراثي والبيئي لدى كل منهما) في حين ظهر اختلاف بنسبة 50% لدى التوائم غير المتطابقة (كونهما يتشابهان من حيث التأثير البيئي ولكنهما لا يتشابهان بنفس القدر الوراثي)..
وهذه الدراسة لا تثبت فقط وجود عامل وراثي يساهم في صقل شخصياتنا، بل ومسؤولية هذا العامل عن مظاهر الاختلاف (حتى) بين الأشقاء ممن يعيشون تحت سقف واحد !!
... باختصار شديد..
رغم أن شخصيتنا محصلة نهائية لعوامل وظروف ومواقف كثيرة ومتداخلة؛ يظل العامل الوراثي هو "السبّاق" إلى تأسيس شخصية الطفل قبل تعرضه لأي مؤثرات بيئية أو خارجية مهمة (وقارن بين طفلين لم يتجاوزا سن الثالثة) !
..... السؤال التالي هو :
هل يلعب العامل الوراثي دورا في تشكيل أمزجة الشعوب !؟