الرئيسية > لقـــــاء

الضياع في حياة بلا ربيع


تركي بن عبدالله السديري

أحياناً تُحكم البيئة الخاصة مؤثراتها السلبية على الإنسان المؤهل لممارسات إيجابية كثيرة فتودي به إلى الضياع..

النماذج في التاريخ كثيرة ولا أتصور أن ابن خلدون ذهب بعيداً في قراءة الماضي عندما حدد ايجازاً زمنياً لعمر واجهات السلطة وسيكون أكثر دقة لو شمل عمر الازدهار لرأس المال في حياة الأفراد..

النبوغ فكر أو فن أو ثقافة.. ولعل هذا الميدان أكثر امتلاء بالشواهد حيث من النادر أن يكون ابن الموسيقار مطرباً أو ابن المفكر كاتب فكر.. هناك حالات تتمرد على رؤية ابن خلدون فلا يكون السياق الروتيني هو ظاهرة شيخوختها ولكن تفعل ذلك التدخلات السلبية في مجرى الحياة الخاصة المؤهلة لأن تكون مليئة بالايجابيات..

الملك فاروق مثلاً..

فريد الأطرش في السياق الآخر..

أنا هنا لا أتحدث عن تماثل مواقع وإنما عن تماثل مؤثرات..

لقد قرأت لراوية راشد كتابها "نازلي.. ملكة في المنفى" والأستاذ محمد التابعي كتاب " أحمد حسنين باشا".. فيما يخص الملك فاروق حيث حوصر ببلاوٍ تهد الجبال أثرت على شخصيته فيما بعد فوالده الملك فؤاد خلف له خصومات عديدة على المستويين العائلي والحزبي السياسي وكان غريباً أن يأتي نازح من اوروبا لا يجيد اللغة العربية فيصبح حاكماً في بلد لا يتحدث الا العربية ثم يكاثر حوله الخصومات إلى ان توفي وكانت زوجته "نازلي" حفيدة سليمان الفرنساوي وهو فرنسي الأصل والذي استعان به محمد علي في تنظيمات حديثة.

فنازلي التي اعتبرت نفسها سجينة مدة ثمانية عشر عاماً هي عمر حياتها الزوجية مع الملك فؤاد فبعد ان تخلصت منه بوفاته لم تتجه لتطوير علاقات ابنها بقدر ما استغلت كونها أم الملك الشاب الجديد الذي قانوناً لم يكن مؤهلاً - سناً - للحكم فاتجهت إلى تطريب نفسها بمختلف الوسائل وأهدت قلبها للبعض وبلغت بها التجاوزات أنها في أوروبا جعلت من موظف مسيحي صغير جداً في وظيفته سكرتيراً خاصاً لها، ثم زوجته هو المسيحي من ابنتها.. وتتوالى الكوارث والسمعة السيئة على فاروق واخواته حتى ينتهي الأمر بتسفيره وتشريد الأخوات واعلان الأم عن مسيحيتها ولا يكون أمام الأحفاد الا أن يغيروا اسماءهم وهوياتهم ثم يختفون كمجهولين في الحياة الامريكية وكانت إحدى الأمهات قد عملت كمنظفة أوساخ والثانية قتلها زوجها سكرتير الأم بالرصاص..

فريد الأطرش.. من أسرة نبيلة قاد بعض بارزيها ثورة الجبل ضد الاستعمار الفرنسي إلا ان والدة فريد اخذته وأخاه فؤاد والبنت آمال التي عرفت فيما بعد باسم اسمهان وتحولت الأسرة المرموقة إلى محترفة فنون في أوساط متقلبة في كل المستويات.. معيشة.. سمعة.. أمن.. خصوصاً تزايد التفسيرات لرحلات اسمهان بين الأردن والقدس ودمشق والقاهرة وبالذات علاقتها بفندق "داود" ثم أخيراً موتها المفاجئ وسط إشاعات سيئة عنها أنها تعاملت مع مخابرات أجنبية..

رغم أن أجمل البنات قد رقصن حول فريد الأطرش وأن كثيراً من الحسناوات تمنين الزواج منه لكنه كان يتحرك وسط عواصف من الحزن.. الحزن في طريقة وفاة الأخت.. ثم افلاس الأخ.. ثم فقدانه لثروة عمارة عرفت باسمه واخيراً اضطراره لأن يعيش من دخل ملهى متواضع..

هل كان يعني نفسه حين غنى..

أنا عمر بلا شباب.. وحياة بلا ربيع..

أشتري الحب بالعذاب... أشتريه فمن يبيع

إن الملك فاروق وفريد الأطرش رحمهما الله قد حولهما من حولهما إلى "ضياع" مؤلم للغاية..

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة