د. سلمان بن محمد بن سعيد
قال ابو العلاء المعري (مفاخرا):
وإني وإن كنت الأخير زمانهُ
لآتٍ بما لم تستطعه الأوائلُ
تذكرت هذا البيت من الشعر وأنا أشاهد مقابلة مع جراح القلب العالمي المشهور؛ المصري الأصل والبريطاني الجنسية مجدي يعقوب؛ عندما تحدث عن عمله في مجال جراحة القلب؛ حيث قال ان مايقوم به حاليا (رغم تقدمه ودقة إتقانه) سيكون من التاريخ في سنوات قليلة قادمة؛ فالمهارات والوسائل تتطور يوما بعد يوم؛ وخلال السنوات العشرين الماضية أصبح الكثير مما تعلمناه في كليات الطب من الماضي بالفعل؛ فشقوق وفتحات استئصال المرارة والزائدة في الجلد مثلا؛ والكبيرة عرضا وطولا في جسم الإنسان؛ والتي كان كل مريض يتحمل آلامها وتشوهاتها؛ ألغتها جراحة المناظير؛ ورافقها اكتشافات لطرق علاجية لم تخطر على بال الكثير؛ وأدوية طورت من مسببات الأمراض؛ كطريقة جديدة لعلاج البروستات تُستعمل فيه جرثومة (إي كولاي) والتي تعتبر من الأسباب الرئيسة لالتهابات المسالك البولية لدى الجنسين؛ فجرثومة (إيشريشيا كولاي) التي يصعب على الطلبة والأطباء نطقها؛ أصبح اسمها إي كولاي اختصارا؛ وبالإمكان استعمالها أو تطوير علاج مستخلص منها لعلاج أمراض البروستات؛ وأجدني تذكرت (عجز) بيت من الشعر لأبي نواس (داوها بالتي كانت هي الداءُ) ولندع أشعار المعري وأبو نواس ولنكمل فكرة سوانح اليوم عن التطور الطبي؛ فلا أزال أذكر أستاذا في كلية الطب قال لنا في إحدى محاضراته ان المضاد الحيوي الفلاني عند اكتشافه في الخمسينيات الميلادية يعتبر الخيار الأول لعلاج مرض السل؛ وهو ماكان يثير استغرابنا نحن طلبة الطب في نهاية السبعينيات الميلادية؛ وقبل عدة شهور كنت مع طبيب للعيون لأسأله عن عملية سيجريها لأحد الأقارب (مويه بيضا أو كتاراكت) قلت له كيف ستجري العملية والكتراكت لم تصل لمرحلة الاستواء (ماتشور كتاراكت) ألا يجب أن ننتظر ستة شهور أو نحوها لتستوي الكتاراكت كما تعلمنا في بداية الثمانينيات الميلادية؛ ابتسم طبيب العيون من قولي وهو ينظر إلي؛ وكأني به يقول (ياقدمك) وإلى سوانح قادمة بإذن الله.