كان أقرب تعريف للواسطة فيما مضى أنها عملية ترميم يلجأ إليها بعض الضعفاء لشد عضدهم بقوة نافذة لنيل ما لا يستحقونه.. هكذا كانت الأمور حينما كان فضاء الفرص متاحا للكثيرين، وكان المجتمع ولا يزال يضعها تارة في رتبة البكتيريا القاتلة، وأخرى في خانة بكتيريا اللبن، دون أن تصل في كل الأحوال إلى مرحلة التجريم رغم كل ما يُثار حولها من حين لآخر، خاصة بعدما شارفت إلى أن تصبح سلوكا عاما بين الناس. ممن لم يعدموا سبيلاً إلى تلطيفها باسم الشفاعة أو إلباسها حلّة الفزعة والنخوة وما إلى ذلك.
وكان لزاماً، وكنتيجة طبيعية جدا ألا يظل هذا التعريف على حاله بعدما ضاقت الفرص في مختلف المجالات.. في الوظائف، وفي القبول في المعاهد والكليات وفي الترقيات، عندما وجد بعض من يمتلكون قوة التأهيل من المتميزين دراسيا أنفسهم بأمسّ الحاجة للبحث عن قوة إضافية تدفعهم لبلوغ ما يفترض أنهم يستحقونه!.
وهذه القوة حتما لن تكون سوى الواسطة.. التي تواطأ المجتمع على رفضها شكلا وقبولها مضمونا، بل شتمها علنا، والبحث عنها بكل الوسائل والسبل سرّا!.
أشعر بالحزن حينما لا يجد شابا متفوقا في دراسته فرصته فيما يريد، وهو الذي يفترض أن يكون خارج المساومة في مبدأ تكافؤ الفرص، وأشعر كذلك بالشفقة على من أودت به ظروفه ليتعثر مستقبله في وجهه.. أشعر أننا نساهم في ذبح فضيلة الجد والاجتهاد، فضيلة التفوق والامتياز، نقتلها على مذبح الواسطة بدم بارد.. في الوقت الذي ننشغل فيه في الحديث عن المواهب بإسهاب كبير، كما لو كانت هي تلك القوة الوحيدة التي تشكل الناظم الحقيقي لمعاييرنا، رغم كل ما نرتكبه من بشاعات في حق هذه الفضائل، متذرعين بأن ما نفعله ما هو إلا من باب المساعدة لضعيف ما كان ليبلغ ما بلغه دون تلك المساعدة.
أفهم أن المساعدة هي أن تضع يدك في جيبك لتخرج محفظة نقودك وتدفع ما تجود به نفسك لمن تعتقد أنه يستحق، لكننا الآن أمام سلوك اجتماعي بات يخلط كثيرا ما بين المساعدة والواسطة.
الجميع يفعل هذا بلا استثناء لأن الأمر يرتبط بمستقبل، ولا أحد يريد أو يقبل بأن يرتهن إلى قيم مثالية لكنها معطلة في مواجهة واقع لا يرحم ،إذاً ما العمل؟.
هل ننصاع لهذا الواقع، ونقول إنه قدرنا الذي لا مفر منه ولو على حساب الوطن وحقه في الكفاءات؟، أم نجعل (الطيور تطير بأرزاقها) ونبيت في خيمة القيم التي هجرها سكانها زهداً؟.. صدقوني أنا في حيرة من الأمر، ولا أعرف لمن أنحاز؟.