هل تبحث عن خلاص؟
قلت له طبعاً.. ولم أسأل من ماذا أو لماذا
قال يسعدني أن نتغدى معاً..
قلت لمَ لا.. وكنت على يقين بأني سأدفع قيمة الغداء.. لأني تعلمت في باريس أن أكون المموّل لمثل هذه اللحظات العربية إلا ما ندر..
أعرفه جيداً.. ما ترك مطبوعة أو موقعاً أو وسيلة إعلام أو ندوة عربية إلا وشارك فيها..
كان يعمل مع إحدى الجرائد الخليجية.. واستدعي ضيفاً على وزارة الإعلام في فندق فاخر واستقبله عدد من المسؤولين الكبار، لأنه ببساطة كان يعرف الكثير عن أسرار الدولة الكبيرة المجاورة، وفي تلك الزيارة شعر رئيس التحرير الذي يستكتبه أن صاحبنا وصل إلى المناطق التي لم يصل إليها الرئيس..
عاد صاحبي هذا إلى باريس وبعد أيام، استدعاني على غداء مماثل، حدثني عن زيارته تلك بحرقة وبكى، قال لي كل شيء وهو يمسح دموعه مثل طفل، قال ان رئيس التحرير قرر أن يعامله كجاسوس.. وأن هذه مرتبة أرقى..
وأنه نسّق مع الجهات العليا في بلاده لكي يوصل هذه التقارير إلى أعلى الأجهزة، وان المكافأة ستكون مجزية.. وبكى مجدداً.. انقطعت أخباره إلى ما قبل أمس حين سألني إن كنت أبحث عن خلاص.. وكنت استجبت لدعوته الكريمة وفاء لتلك الدموع الصادقة..
التقينا.. قال إنه الآن ينتمي لجماعة العقلانيين العرب، وإنها الخلاص لهذه الأمة.. قلت له بخبث من يموّل؟
قال: المجنون طبعاً.. ولا تستغرب.. أعرف أنك تعرف.. ولكن ما لا تعرفه هو أننا جميعاً في هذه الجماعة نراهن على أنه لن ينقذ هذه الأمة إلا هذا المجنون.. يكفي انه لا يشترط علينا أن نكون جواسيس.. إنه فقط يموّل حريتنا وعقلانيتنا.. قد نختلف مع المجنون في بعض طروحاتنا مثل حرية المعتقد أو الإلحاد أوحرية الجسد وغيرها مما يجمعنا بالعقلانيين في بقاع العالم.. لكنه لم يوقف التمويل الباذخ لحظة واحدة..
عندما قال لي "العقلانيون العرب" لم أستطع الجمع بين هذين النقيضين.. سألته.. هل سألتم المجنون لماذا يمولكم؟ قال شرطه الوحيد ألا نسأله لماذا وألا نستخدم هذه الصيغة أبداً في أي سؤال.. لأنها لم تدخل أبداً في قاموس هذه الأمة.. ونحن على يقين من خطورة هذه الأداة.. إننا مع قليل من العقل.. قاطعته، دفعت الفاتورة بما تبقى من عقلي، وبحثت عن طريق آخر للعودة إلى بيتي.. حيث الخلاص..