قبل أيام نشر مجلس الحبوب العالمي تقريرا أكد فيه أن إنتاج القمح خلال السنة الجارية سيشهد ارتفاعا يتجاوز إنتاج السنة الماضية بقرابة خمسة وأربعين مليون طن. وقبلها اعتبرت مؤسسات أسترالية متخصصة في تجارة القمح أن الظروف المناخية التي عرفتها أستراليا هذه السنة أفضل بكثير من تلك التي شهدتها السنة الماضية في مايخص إنتاج الحبوب وبخاصة القمح. وقد أدت كل التوقعات المتعلقة بمحاصيل القمح في العام الجاري بالقياس إلى محاصيل العام الماضي إلى تدني أسعاره في السوق العالمية . ففي بورصة شيكاغو مثلا انحسرت أسعار القمح منذ نهاية شهر مارس الماضي بنسبة تقدر بخمسة وثلاثين بالمائة عما كانت عليه قبل ذلك التاريخ. وفي بورصة باريس يقارب سعر الطن الواحد من القمح اليوم مائتي يورو والحال أنه كان قد بلغ مائتين وخمسة وتسعين يورو قبل شهرين اثنين.
و يعتبر البعض أن ظروف السنة الجارية المناخية ستسمح للبلدان الكبرى المنتجة للحبوب والمصدرة لها بتصدير كميات كثيرة تزيد على الكميات التي صدرت العام الماضي الأمر الذي سيقود إلى انحسار الأسعار على نحو لايلحق ضررا كبيرا لا بالمستهلكين ولا بالمنتجين. ويرى الخبراء أن السعر المناسب هو الذي يقارب مائة وخمسين يورو للطن الواحد من القمح. فهذا السعر يسمح من جهة للمنتجين بالحصول على أرباح ضخمة لم يكونوا يتوقعونها قبل ثلاثة أعوام. وهو يتيح من جهة أخرى للبلدان النامية والمنظمات الدولية المعنية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية مساعدة ضعاف الحال على الحصول على الحد المعقول من الغذاء الضروري .
ويستند أصحاب هذا الرأي أيضا إلى عنصر آخر يقولون إنه سيسهم في المستقبل في تثبيت أسعار الحبوب وبخاصة القمح أو على الأقل في جعلها تخضع لمنطق خال من التشنج والتوتر المفرطين. ويتمثل هذا العنصر في التزام عدد من المنظمات والمؤسسات الدولية ببذل كل مافي وسعها لتجنب مايسمى "ثورات الخبز" عبر عدة طرق منها الاستثمار المكثف في القطاع الزراعي لاسيما في القارة الإفريقية أكثر القارات المتضررة من ارتفاع أسعار المواد الأولية الغذائية وغير الغذائية في العالم.
تفاؤل حذر
ولكن خبراء كثيرين آخرين يعتبرون أنه من الصعب اعتماد انحسار أسعار الحبوب الحالي في الأسواق العالمية كمؤشر حقيقي من شأنه إرساء توجه عام يقود في نهاية المطاف إلى تهدئة أسواق المواد الغذائية الأولية . ويقول هؤلاء إنه من المؤكد أن تحسن الظروف المناخية في عدد من البلدان المنتجة سيكون لديه انعكاس على الأسعار باتجاه الانحسار . ولكن الظروف المناخية لا تتمثل في هطول الأمطار أو عدم هطولها فحسب بل في عناصر وعوامل كثيرة أخرى منها البرد (بفتح الراء) الذي ينزل عادة في بداية فصل الصيف والذي يمكن أن يتلف كل محاصيل المزارع التي ينزل فيها.
ويضيف هؤلاء فيقولون إن هناك سببا آخر مهماً من أسباب انحسار أسعار القمح الحالية هو إقدام عدد من البلدان المنتجة على التخلص من الاحتياطي الذي كان لديها حتى الآن والذي عززته في الأشهر الأخيرة بسبب ارتفاع الأسعار. ومن هذه البلدان الولايات المتحدة والأرجنتين وروسيا . وصحيح أن احتياطي القمح الأمريكي مثلا قد انخفض في الأشهر الأخيرة إلى حدود غير مثيل لها منذ ستين عاما أي منذ عام ثمانية وأربعين من القرن الماضي. ومع ذلك فإن الشركات المتخصصة في تجارة الحبوب في أمريكا وفي مناطق أخرى من العالم أصبحت مضطرة الآن للتخلص من مخزون الحبوب الذي لديها حتى تهيئ المخازن لاستقبال غلة السنة الجديدة وتسهم بالتالي في رفع كميات القمح المعروضة في الأسواق العالمية. وقد استبق المضاربون منذ أسابيع هذه العملية فباعوا جزءا كبيرا من أسهمهم في الشركات المتخصصة في تجارة الحبوب قبل تدني الأسعار.
ويخلص الذين يشاطرون هذه القراءة إلى استنتاج مفاده أن أسواق المواد الأولية الغذائية ستظل متذبذبة في الأشهر المقبلة لعدة أسباب منها عدم السيطرة على الظروف المناخية و تزايد الطلب على الحبوب وبخاصة القمح في الهند والصين الشعبية والبلدان النامية وبخاصة في العالم العربي حيث تشكل الكميات التي تستورها الجزائر والمغرب ومصر لوحدها خمسة عشر بالمائة من صادرات القمح في العالم.