بحث



الجمعه 26 ربيع الآخر 1429هـ - 2 مايو 2008م - العدد 14557

عودة الى الأنظمة والمحاماة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


صيانة الأطفال.. مقصد الحضانة الأول!

محمد عبد العزيز المحمود
    إنه على الرغم من التطورات الحديثة فيما يتعلق بحقوق الطفل التي تنادي بها الأنظمة الحديثة إلا أن الحضانة في الفقه الإسلامي انفردت بخصائص لا يوجد لها مثيل.

ذلك أن أكثر توصيات تلك النُظم غير محددة المعالم لا من حيث طابع عدم الإلزام بل أيضا من حيث الجهات المكلفة بها، ففي هذه الأنظمة تسرد حقوقٌ بدون تحديد جهات تجب عليها.

ولقد كفلت الشريعة الإسلامية حقوق الأفراد والجماعات البشرية؛ بل وكل الكائنات في هذا الكون، يقول الله تعالى {وَمَا خَلَقءنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرءضَ وَمَا بَيءنَهُمَا إِلاَّ بِالءحَقِّ} سورة الحجر آية 85.وبخاصة المخلوقات الضعيفة التي تحتاج في المحافظة على وجودها إلى حماية ورعاية ولم تكتف بوصايا ونصائح يطبقها من شاء ويذرها من شاء، بل قننتها في نصوص ملزمة يرعاها المجتمع تطبيقاً للأوامر الربانية وصيانة للكينونة الإنسانية.

ومن هذه الفئات التي رعتها الشريعة حق الرعاية للمرأة والطفل، وسنت لذلك قواعد عامة وأحكاماً جزئية تفصيلية ترجع إلى مقاصد: العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى.

فالمقصد العام في الحضانة هو صيانة الطفل، والمقصد الخاص هو تكليف المرأة بالحضانة لما جبلت عليه من الشفقة والرأفة.

ومن المقرر شرعاً أن النساء أحق بالحضانة من الرجال في الجملة، وأن الحضانة على الصغار تبدأ منذ الولادة، إذ أجمع العلماء على أن الحضانة في حال افتراق الزوجين تكون للأم؛ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: "يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني، فقال: أنت أحق به ما لم تنكحي". أخرجه أحمد والحاكم وصححه.

لكن انتهاء حضانة النساء على الصغار حال افتراق الزوجين مختلف فيه بين المذاهب، وبيانه ما يلي:

ذهب الحنفية إلى أن حضانة النساء على الذكر تظل حتى يستغني عن رعاية النساء له فيأكل وحده ويشرب وحده ويلبس وحده وقدر ذلك بسبع سنين؛ لأن الغالب الاستغناء عن الحضانة في هذه السن وقيل تسع سنين.

وتظل الحضانة على الأنثى قائمة حتى تبلغ، فإذا انقضت حضانة النساء فلا يخير المحضون ذكراً كان أو أنثى بل يضم إلى الأب لأنه لقصور عقله يختار من عنده اللعب ولم ينقل أن الصحابة رضي الله عنهم خيروا وتظل ولاية الأب على الصغير والصغيرة إلى البلوغ فإذا بلغ الغلام مستغنياً برأيه مأموناً عليه فيخير حينئذ بين المقام مع وليه أو مع حاضنته أو الانفراد بنفسه وكذلك الأنثى إن كانت ثيباً أو كانت بكراً طاعنة في السن ولها رأي فإنها تخير كما يخير الغلام.

وإن كان الغلام أو الثيب أو البكر الطاعنة في السن غير مأمون عليهم لو انفردوا بأنفسهم بقيت ولاية الأب عليهم كما تبقى الولاية على البكر إذا كانت حديثة السن وكذلك الحكم بالنسبة للمعتوه تبقى ولاية الأب عليه إلى أن يعقل.

وذهب المالكية إلى أن حضانة النساء على الذكر تستمر إلى بلوغه وتنقطع حضانته بالبلوغ ولو مريضاً أو مجنوناً على المشهور.

أما الحضانة بالنسبة للأنثى فتستمر إلى زواجها ودخول الزوج بها.

وعند الشافعية تستمر الحضانة على المحضون حتى التمييز ذكراً كان المحضون أو أنثى فإذا بلغ حد التمييز- وقدر بسبع أو ثمان غالباً- فإنه يخير بين أبيه وأمه فإن اختار أحدهما دفع إليه، وإذا عاد واختار الثاني نقل إليه وهكذا كلما تغير اختياره لأنه قد يتغير حال الحاضن أو يتغير رأي المحضون فيه بعد الاختيار إلا إن كثر ذلك منه بحيث يظن أن سببه قلة تمييزه فإنه يجعل عند الأم ويلغى اختياره.

وإن امتنع المحضون عن الاختيار فالأم أولى لأنها أشفق واستصحاباً لما كان وقيل: يقرع بينهما وإن اختارهما معاً أقرع بينهما وإن امتنع المختار من كفالته كفله الآخر فإن رجع الممتنع منهما أعيد التخيير، وإن امتنعا وبعدهما مستحقان للحضانة كجد وجدة خير بينهما وإلا أجبر عليها من تلزمه نفقته وتظل الولاية عليه لمن بقي عنده إلى البلوغ.

فإن بلغ فإن كان غلاماً وبلغ رشيدا ولي أمر نفسه لاستغنائه عمن يكفله فلا يجبر على الإقامة عند أحد أبويه والأولى أن لا يفارقهما ليبرهما.

والمذهب عند الحنابلة في الغلام أنه يكون عند حاضنته حتى يبلغ سن السابعة فإن اتفق أبواه بعد ذلك أن يكون عند أحدهما جاز لأن الحق في حضانته إليهما وإن تنازعا خيره الحاكم بينهما فكان مع من اختار منهما، قضى بذلك عمر رضي الله عنه ورواه سعيد وعلي وروى أبو هريرة قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به" أخرجه أبو داود والحاكم وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. ولأنه إذا مال إلى أحد أبويه دل على أنه أرفق به وأشفق، وقيد بالسبع لأنها أول حال أمر الشرع فيها بمخاطبته بالصلاة بخلاف الأم فإنها قدمت في حال الصغر لحاجته ومباشرة خدمته لأنها أعرف بذلك. أما الأنثى فإنها إذا بلغت سبع سنين فلا تخير وإنما تكون عند الأب وجوباً إلى البلوغ وبعد البلوغ تكون عنده أيضا إلى الزفاف وجوباً ولو تبرعت الأم بحضانتها لأن الغرض من الحضانة الحفظ والأب أحفظ لها وإنما تخطب منه فوجب أن تكون تحت نظره ليؤمن عليها من دخول الفساد لكونها معرضة للآفات لا يؤمن عليها للانخداع لغرتها.

هذه آراء الفقهاء واجتهاداتهم في مسألة الحضانة، لكن مدار تلك الاجتهادات في حال صلاح الأب والأم لحضانة الطفل، أما لو ثبت العكس فلا حضانة لهما. وفي هذا يقول الفقيه ابن عابدين: "ينبغي للمفتي أن يكون ذا بصيرة يراعي الأصلح للولد، فإنه قد يكون له قريب مبغض له يتمنى موته، ويكون زوج أمه مشفقًا عليه يعز عليه فراقه، فيريد قريبه أخذه منها ليؤذيه ويؤذيها أو ليأكل من نفقته أو نحو ذلك، وقد يكون له زوجة تؤذيه أضعاف ما يؤذيه زوج أمه الأجنبي، وقد يكون له أولاد يخشى على البنت منهم الفتنة لسكناها معهم فإذا علم المفتي أو القاضي شيئًا من ذلك فلا يحل نزعه من أمه لأن مدار أمر الحضانة على نفع الولد". ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأحمد وأصحابه إنما يقدمون الأب إذا لم يكن عليها - أي الطفلة المحضونة - في ذلك ضرر، فلو قدر أنه عاجز عن حفظها وصيانتها، ويهملها لاشتغاله عنها، والأم قائمة بحفظها وصيانتها: فإنها تقدم في هذه الحال، فمع وجود فساد أمرها مع أحدهما ; فالآخر أولى بها بلا ريب". وقال رحمه الله: "وإذا قدر أن الأب تزوج بضرة، وهو يتركها عند ضرة أمها، لا تعمل مصلحتها، بل تؤذيها وتقصر في مصلحتها، وأمها تعمل مصلحتها ولا تؤذيها ; فالحضانة هنا للأم قطعا".

ولن أعلق كثيراً على تلك الأقوال؛ بل اكتفيت بعرضها للقارئ الكريم ليتصور هذه المسألة الشائكة لدى الكثير من الأمهات المكلومات اللواتي تم انتزاع أبنائهن منهن ليعيشوا العذاب تلو العذاب.

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم "من فرّق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته". رواه الترمذي وأحمد والدارمي.

فمتى سيرعوي هؤلاء الآباء؟؟ ومتى ستقنن المحاكم أمور الحضانة؟؟..

أسئلة تحتاج لإجابة لعلنا نتطرق لها في المقال القادم بإذن الله.

@ باحث قانوني

12 تعليق
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


رائع جدا يا دكتور


أبو جمال
ابلاغ
05:48 صباحاً 2008/05/02

 


أهنئك أخي المحمود بهذا الفكر الراقي والتأصيل الفقهي لمسألة الحضانة..
رأيتك قبل أياك في قناة الاقتصادية الفضائية مع جاسم العثمان فازداد إعجابي بك أكثر واكثر..
إلى الأمام والله يوفقك..


محمد العبد الله
ابلاغ
01:26 مساءً 2008/05/02

 


إنه على الرغم من التطورات الحديثة فيما يتعلق بحقوق الطفل التي تنادي بها الأنظمة الحديثة إلا أن الحضانة في الفقه الإسلامي انفردت بخصائص لا يوجد لها مثيل.
ذلك أن أكثر توصيات تلك النُظم غير محددة المعالم لا من حيث طابع عدم الإلزام بل أيضا من حيث الجهات المكلفة بها، ففي هذه الأنظمة تسرد حقوقٌ بدون تحديد جهات تجب عليها.
محمد:
هذا الكلام نوجهه لوزارة الشؤون الاجتماعية.
محمد:
وشكرا لك


نور
ابلاغ
02:26 مساءً 2008/05/02

 


الحضانة يلزم بها الاب لانه هو من يربي وليس المراة التي تربي بعواطفها واهؤاها الاب هو الرجل ويتحمل اطفاله مهما كان والمراة سرعان ماتبحث عن رجل يرضي رغباتها وغرئزها


سعيد عيد الزهلراني
ابلاغ
03:54 مساءً 2008/05/02

 


أين من هذه الكلمات وهذا النظام الإسلامي العظيم من الذين يهددون زوجاتهم بأطفالهن ؟
أين أنصاف الرجال حين يخير أحدهم طليقته بين أمرين أحدهما أولادهم ؟
:)
شكراً أخ محمد المحمود..


قارئة
ابلاغ
05:52 مساءً 2008/05/02

 


رائع جدا يا دكتور


احمد سليمان
ابلاغ
06:27 مساءً 2008/05/02

 


الأخ سعيد الزهراني صاحب تعليق 4
طيب ما رأيك بوالد غصون الذي قتلها وأيضا شرعاء ؟ وأريج ؟؟
هل هؤلاء يستحقون الحضانة ؟؟
وهل أمهاتهن ربينهن بعواطفهن ؟
انتظر اجابتك


محمد العبد الله
ابلاغ
06:32 مساءً 2008/05/02

 


سلمت يمينك أستاذي الكريم محمد على مقالتك الرائعة..
فعلاً نحن بأمسّ الحاجة لنعرف المزيد عن أمور وأحكام الحضانة، فالكثير من الناس يجهل هذا الأمر المهم..
المقصد الأساسي -كما ذكرت أخي العزيز- هو صلاح الحاضن وإلا ما الفائدة العائدة على ترك طفل يتعذب ويعاني تحت رحمة من لا يرحم !!؟ كما سمعنا من قصص تشيب لها الرؤوس وتقشعر منها الأبدان..
أخيراً..
أتمنى أن يكون هذا المقال بوابة خير لقضاتنا الكرام وكل من هم في محمل المسؤولية بأن يتكاتفوا و يسارعوا لحل لهذه الأزمة التي تتسارع في الازدياد !


مشاعل
ابلاغ
07:42 مساءً 2008/05/02

 


الكاتب المتميز دائما الاستاذ محمد المحمود الله يجزاك خير على كتاباتك الرائعه والمتالقه وانا اتفق معك واطالب بتفعيل هذة التوصيات


ريما
ابلاغ
11:10 مساءً 2008/05/02

 10 


(1/2)أخي محمدالمحمود
أشكرك على طرح موضوع إجتماعي حساس بل هو كالشوكة في خاصرة المجتمع السعودي، وربما كانت الأجوبة على كثير من التساؤلات ب(لاأعلم) ولكن نحن بحاجه ماسة للنظر في القضايا المتعلقة بالحضانة والنفقة والرعاية بجدية وواقعية أكثر وكون القاضي يصدر حكما يكون نافذاً وتذهب ضحيته مثل غصون وغيرها وقد يكون حكماً للأم فيكون ذلك سبباً في إنحراف المحتضن فذلك يدعم ما ذهبت إليه ولو تسائلنا لماذا لا يبنى الحكم إجماع هيئة مشتركة من جهات إختصاص شرعية إجتماعية أمنية لتضمن للمحتضن إحتضانه ورعايته وتلزم-


( أبوالوليد){عبد الحكيم العَمْرِي}(الدمّام)
ابلاغ
01:23 صباحاً 2008/05/03

 11 


(2/2) وتلزم الحاضن بتنفيذ ما تم التوصل له ويكون هناك قسم تابع للهيئة يهتم بدور متابعة الأحكام وتنفيذها وتوضع إجراءات جزائية سريعة التنفيذ في حال الإخلال بأي حكم أو تنفيذ فقد تجد الخلل لدى الأم الحاضنة وقد تجد الخلل لدى الأب الخاضن وفي كلا الحالتين لا يكون الضحية إلا واحده وهي الطفل المحتضن الذي أوجب الإسلام رعايته وحفظ حقوقه ولو أوجدت جهة تهتم بتوعية الأبوين بعد الفراق بمعنى الحضانة توضح من خلال دورات توعوية أو رسائل للأبوين المتنازعين على الحضانة لقطعنا شوطاً كبيراً في علاج قضاياالخضانةالشائكة.


( أبوالوليد){عبد الحكيم العَمْرِي}(الدمّام)
ابلاغ
01:30 صباحاً 2008/05/03

 12 


متى ستنتبه وزارة العدل لهذه الأقوال الفقهية
الكاتب في عنوانه اختصر كل شيء..
مقصد الحضانة الأول هو (( صيانة الأطفال )) سواء مع الأب أو الأم !
وهل تكون صيانة الأطفال في قتلهم وتعذيبهم مع آباء كأب غصون في مكة !
اذن الحضانة باختصار مقصدها الأساسي هو صيانة الأطفال فقط
أشكرك أخي محمد على اختصار المقال بعنوانه


محمد آل موسى
ابلاغ
02:16 صباحاً 2008/05/03


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الأنظمة والمحاماة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية