بحث



الجمعه 26 ربيع الآخر 1429هـ - 2 مايو 2008م - العدد 14557

عودة الى الأخــيــرة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


بالفصيح
الاستغاثة

عبدالله الناصر
    كانت الريح تعزف في خوص النخلة الواقفة على ضفة الوادي.. صوت خشخشة عسبانها اليابسة يحرك في قلب راشد الحزن واليأس والقنوط.. نصف أعسب النخلة يابس. والأرض تحتها هامدة خامدة. ماتت الحشائش، وجف كل عود أخضر.

كانت قطعان الأغنام الهزيلة تلقي بأجسادها تحت شجر العاقول، الذي أكلت لحاء جذوعه من شدة الجوع.. يقف عائض يخبط بعصاه أطراف الأغصان المرتفعة التي لا تزال خضراء، أوبها بقية من اخضرار.

تتساقط الأوراق، فتتناوشها الأغنام وهي رابضة.. منذ ثلاثة أشهر وعائض يجر أغنامه من شعب إلى آخر، يلتمس لها قوتاً حتى ولو كان شوكاً يابساً.. جاء إلى القرية بعد أن نفقت إبله، وراحت تموت في طرق الصحراء ومجاهلها، ولم يبق منها إلا عظامها البيضاء المتناثرة تلوح على الدروب، حيث تناهشتها النسور.

راشد وعائض يلتقيان عادة بعد الظهيرة تحت النخلة، حيث يسقط الظل على رمل الوادي.. يجلسان لايدريان لماذا يجلسان !! أو بالأصح فهما لا يخططان لمثل هذا اللقاء، ولا يتفقان عليه، وإنما تدفعهما ربما تلقائية الخوف.. العطش، والجفاف، وسوء المصير هي التي تجمعهما. راشد خائف على نخله من الجفاف واليبوسة والهلاك.. وعائض خائف على أغنامه من الموت الذي بدأ يأخذها واحدة تلو الأخرى.

يجلسان تحت الظل، يتحدثان قليلاً، ويصمتان طويلاً.. يتحدثان عن الخوف من امتداد العطش ويختصران في الحديث وكأن الحديث عن العطش، شيء من التطير، ويرجوان السيل الذي يكاد موسمه ينصرم دونما قطرة واحدة.. يوجزان وكأن الحديث عن مضي الوقت يزيدهما ذعراً ورهبة وجزعاً.

لم يكونا صديقين، ولم يكن أحدهما يعرف الآخر، وليسا الوحيدين في القرية.. ولا يشاركهما أحد الجلوس إلى ظل النخلة، التي راح الموت يتسرب ويدب في أعسبها، ويكاد يمتد إلى قلبها...

الاثنان هما أشد أهل القرية جزعاً وفزعاً.. فراشد لا عمل له ولا مصدر لرزقه سوى هذه المزرعة.. وعائض لا تعيله إلا هذه الأغنام الواهنة التي إذا سارت تُسمع قرقعة عظامها...

الخوف هو الذي يجمعهما تماماً كما يجمع المخبأُ الغرباءَ تحت ضربات غارة...

يصمتان وكأن كل واحد منهما بصمته، يراعي مشاعر الآخر، لكي لا يزيده حزناً وكآبة.. ولكنهما يكتفيان بأن يتحدثا باقتضاب، ليخرجا فقط من جحيم الصمت...

قال راشد وهو يخطط على الرمل بسعفة يابسة، سقطت من قلب النخلة كالحة كالشعرة البيضاء حين تسقط من مفرق: كم بقي من أغنامك ياعائض؟

فزع عائض من السؤال كالمذعور.. وكانت إجابته زفرة ساخنة، خرجت من أعماق جوفه شعلة من الحزن. ثم أمال جانب وجهه الذي علته كدرة تنضح بالمرارة والألم...

لم ينطق وكأنه لم يرد أن يقول شيئاً.. كأنه يريد أن يتجاهل السؤال..فالمسألة ليست نفوق واحدة أو اثنتين.. كان كل الذي يخشاه أن يجدها يوماً في حظيرتها جثثاً منتفخة تحت وهج الشمس...

وقطع الصمت حفيف عسيب النخلة اليابس، والريح تدفعه ذات اليمين وذات الشمال، فيمر على الجدار القائم خلفهما فيحدث صوتاً يشبه النشيج، يلتاع معه قلب راشد، وكان طرف العسيب شفرة تمر على قلبه...

قال عائض: متى سيستغيث الناس؟

لكن راشداً قفز كالمذعور!!

انطلق راكضاً بكل ما أوتي من قوة، جرى واندفع نحو " الماكينة " التي تغير صوتها، وأصبحت مسرعة، لأنه لم يعد في البئر ماء تسحبه.. وفي هذه الحالة، لا بد من إطفائها وإلا تحطمت.

فمنذ أن بدأ الجفاف وراشد " يتجمّم " ماء البئر. يتركها يومين حتى يتجمع الماء ثم يشغّل " الماكينة " كي تسحبه إلى البركة ليسقي به النخل بشكل شحيح.. وكانت "الماكينة " تعمل لمدة ساعتين كل يومين.. واليوم لم تكمل نصف ساعة. وكأن كمية وقودها لا تساوي كمية الماء الذي تخرجه من جوف البئر!! أطفأها ووقف يطل في أعماق البئر فلم يرَ إلا الظلام والصمت والخوف.. استدار وألقى نظرة على النخل الواقف في شحوب تماماً كما تقف تلك الأجساد التي سيقت إلى ساحة الإعدام...

أغمض عينيه، وعضّ على شفته، وكأنه يقاوم وجع القلب الذي يكاد ينفجر في داخله...

شد جفنيه على عينيه بقوة، كأنه يريد أن يحبس الدمعة التي تجاهد كثيراً في الخروج، ولكنه يجاهد بشدة دون خروجها، ويتوسل إجمادها وسجنها في قلب عينيه..يريد لها أن تجف وأن تتيبس، لا يريد أن يذكر أنه بكى على نخله...

هذا النخل الذي ظل دائماً عامراًبالمجد والسخاء، كأنه جنة من جنان الأرض في قلب الصحراء.. كان موئلاً للضيوف من البشر، والبهائم والطيور.. هذه الجنة الغناء تتحول إلى أشباح من الجفاف والموت المنتظر.

عاد وجلس إلى جانب عائض.. سأله عائض متى يوم الاستغاثة؟!

رد راشد بغضب وعنف : لست ادري.. ولن أستغيث !!

ارتعد عائض قائلاً : لا تكفر يارجل.. واستعذ بالله.. قال : أنا لن أستغيث.. وتابع :

هل تظن ياعائض أن الله سيقبل استغاثة هؤلاء؟

هل تظن أن الله سينظر إلى الملابس النظيفة ،ويغفل القلوب الملوثة؟

أتظن أن الاستغاثة إمام يقرأ، وقوم يرددون، والقلوب عامرة بالكراهية والحسد؟!!

لا ياعائض.. إن الله يجيب دعوة المضطر إذا أناب إليه، ووقف بين يديه في خشوع وتبتل ورجاء، وقد أفرغ قلبه من كل أحقاد الدنيا وأدرانها وقذرها وأوساخها.. ورفع يديه في تضرع صادق يصل إلى أبواب السماء...

أنا لن أستغيث مع هؤلاء. سوف أستغيث مع آخرين!!

مع آخرين؟! ومن هم؟!

أنا وأنت والنخلة والأغنام!!

سأدع النخلة أمامي..وأنت والأغنام خلفي، وسوف أقف وأبكي بهذه الدمعة التي تجاهد للخروج من عيني..وأنت سوف تبكي، والنخلة ستبكي ،والأغنام ستبكي، ولن يخيب الله بكاءنا ،ولا رجاءنا...

وراح عائض يصّف الأغنام ويضعها على جُنوبها وأنوفها تثير الغبار من زفير الإعياءوالوهن.. و أعينها قد ترمدت من الجوع والعطش والهزال...

والنخلة صامتة في خشوع كأنها قد هيأت نفسها للنشيج.. فتغشّاها صمت وجلال غريبان...

وقف راشد وقد أطلق لعينيه عنان الدمع، ورفع رأسه نحو السماء والكلمات تمتزج بالنشيج في ارتعاش واختلاج ووجَل، وراح يدعو:

ربنا لقد مسنا الضر، وضاقت علينا الأرض بما رحبت.. نحن عبادك وهذه بهائمك، وأشجارك قد رعاها الجفاف وأكلها العطش.. ربنا إن الموت يرابط حولنا ويحاصرنا.. فلا تمتنا بهذا البؤس وهذا القنوط...

اللهم إنك تعلم أن قلوبنا نظيفة، وجيوبنا نظيفة، مأكلنا حلال.. ومشربنا حلال.. لم نسرق أحداً، ولم نخادع أحداً..ولم نرتكب جرماً ولا معصية، نحن وبهائمك ونخلك الكريم...

اللهم إنه ليس لدينا أردية نقَلِّبها !! وإنما نُقلّب لك أكف الضراعة، وأعيناً أغرقها الدمع.. فارحم ضعفنا، ولا تجعلنا من القانطين.. آمين.

وقال عائض آمين. تنهدت الأغنام وتزافرت، وتحركت أعسب النخلة في شيء يشبه "الآمين" فصدرت جلجلة وجلبة ارتفعتا نحو السماء.

وأقبل الليل، وكان راشد واقفاً بعد صلاة العشاء أمام باب بيته.. فرأى من الغرب وميض برق...

وجاء عائض ساعياً، وأنفاسه تلهث ليتأكد مما رأى. وأقبل البرق، وزحف السحاب وأرجف الرعد.. وانهمر مطر السماء.. وشوهدت جذوع النخل تخوض في السيل كالعرائس.. والأغنام تعالى ثغاؤها في حبور.. والطير في جوف الليل صارت تصدح في انتشاء...

وكانت أكفُّ راشد وعائض مرفوعةً نحو السماء، تمتزج بالبرق وماء المطر.

35 تعليق
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


ان كان للابداع عنوان فعنوانه الأستاذ الكبير عبدالله الناصر
تغلغلت القصه داخلي وعشت لحظاتها في خيالي
تذكرت رعاة الغنم والفلاحين , تذكرت طفولتي وأيام الصبا
ألقيت نظرة من نافذة مقر سكن بعثتي و أطلقت بصري في الارض المدوده بالعشب الاخضر...
ما أجملكي بلادي وما أجمل جفاف ارضك !!!


خالد العتيق - المملكه المتحده
ابلاغ
05:41 صباحاً 2008/05/02

 


الله
روعه
من جد حسيتها طالعه من قلب :
الله يرزقنا المطر يارب ويغفر لنا ولجميع المسلمين
ااه كلنا مشتاقين للمطر
الله لايحرمنا اياه
تسلم ايدك على هالمقال يجنن...


JORI AL-KHARJ
ابلاغ
06:57 صباحاً 2008/05/02

 


احسنت ياعبدالله الكاتب المبدع بس اين ذاك الزمن الخالي من الحقد والحسد والمعاصي من زمن اليوم على العموم معنى رسالتك وصل وصلك الله بالصحه والعافيه


ابوسعد
ابلاغ
07:19 صباحاً 2008/05/02

 


راعي الغنم يكون بطبعه مؤمناً لماَ يرى من الكون الفسيح و الجبال الشاهقة و اكتفاءة بقلبل من قديد الطعام و الذي يجعله دائما وجلا متذكر الله منيبا اليه و مهنة الرعى مهنة قام بها تقريبا كل الأنبياء و اخرهم نبينا صلوات الله و سلامه عليهم جميعا و لعل الله يجيب دعاء الراعي لتقواة و حسن نيته كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (يعجب ربك من راعي غنم على رأس الشظية للجبل يؤذن للصلاة، فيقول الله: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم للصلاة، يخاف مني قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة) اذا هو كذلك فما بال دعائه
ه


د. حميدة درويش
ابلاغ
07:55 صباحاً 2008/05/02

 


سلمت يداك وضعت يدك على الجرح


مي العبدالرحمن
ابلاغ
08:26 صباحاً 2008/05/02

 


رائعة جدا، حبكة وحدث، ونهاية موفقة جدا، رعاك الله بو عبد العزيز


أم محمد
ابلاغ
08:35 صباحاً 2008/05/02

 


وجاء عائض ساعياً، وأنفاسه تلهث ليتأكد مما رأى. وأقبل البرق، وزحف السحاب وأرجف الرعد.. وانهمر مطر السماء..
وانهمر معهما دمع قلبي يبكي الألم اللذي صنعناه !!


ابز سعود
ابلاغ
08:41 صباحاً 2008/05/02

 


أيقظت فيني أحاسيس كثيرة
ما أروح الكلام الذي يخاطب الروح ويشرح الصدر ويؤنس بالله والإلتجاء اليه في هذا العصر المادي...
الله يرحمك ووالديك وجميع المسلمين...


شقران
ابلاغ
09:27 صباحاً 2008/05/02

 


مبدع استاذي


صفية المولد
ابلاغ
09:28 صباحاً 2008/05/02

 10 


ما اروعك...استاذي الفاضل/عبدالله الناصر... ابداعاتك.. تتواصل..كل اسبوع.رعاك الله.


محمد بن عبدالله القحطاني
ابلاغ
10:12 صباحاً 2008/05/02

 11 


قصة صادقة مملؤة عبرة وفائدة
المدار على القلوب. نحن نستغيث والقلوب ملوثة والايدي ملوثة
. خلها على الله بس


عبد العزيز عبد الله
ابلاغ
11:32 صباحاً 2008/05/02

 12 


كما عهدناك أستاذي المبدع..
قصتك رائعه والوصف دقيق شعرت وكأنني حاضره هناك عند شخوص القصه..
دمت ودام قلمك وأبداعك..


ميمونة _ حائل
ابلاغ
12:04 مساءً 2008/05/02

 13 


أغثت قلوبنا بكلماتك النيّرة..
ولا أقول إلا ( سملت براجمك من الأوخاز )
هذه التى تسمى كتابات هادفة نافعة.. أسأل الله أن ينفع بها..


وجهة نظر
ابلاغ
01:04 مساءً 2008/05/02

 14 


مقال جميل في تصويره والأجمل مغزاه اللذي يبدو اننا مع سرعة العصر بدأنا نهمله ونلوي الوجوه عنه.
عبدالله الناصر حقاً كاتبي المفضل اللذي اأتابعه :)


jou
ابلاغ
01:09 مساءً 2008/05/02

 15 


ابداع
طهر الله قلوبنا من النفاق والحسد


عبدالله الربيعة
ابلاغ
01:53 مساءً 2008/05/02

 16 


استاذى عندما كنت صغيره كانت جدتى تحكى لى قصه حتى انام من عناء اللعب والان عندما اصبحت فى نضج الشباب اصبحت بعد عناء العمل وعندما انام على سريري احتاج اقراء قصه او رويات حتى تغمض عينى وانام يسعدك ربى.أريج محمد


اريج محمد
ابلاغ
01:59 مساءً 2008/05/02

 17 


احسنت ياعبدالله الكاتب المبدع بس اين ذاك الزمن الخالي من الحقد والحسد والمعاصي من زمن اليوم على العموم معنى رسالتك وصل وصلك الله بالصحه والعافيه


محمد سلمانawlama
ابلاغ
02:13 مساءً 2008/05/02

 18 


الحمدلله على السلامه واهلا بك في وطنك


فهد
ابلاغ
04:10 مساءً 2008/05/02

 19 


{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ }فاطر9
المطر وما ادراك ما المطر نعمة ولكن تأتي بصلاح الحال والإيمان الكامل والخوف والخشية من الله ؟وسكون الكلام من جنس العمل يعني اصل اخشع ابعد عن معاصي..اصوم لا انظر لمحرم واقصد الجنة بصومي وفي كل عمل قاصدة وجهه الكريم والله يعيننا على انفسنا ليغمرنا الله بماء منهمر برضى من الله ولا يكون الجفاف غضب


مريم عبد الكريم بخاري.جدة عروس البحرالأحمر
ابلاغ
04:10 مساءً 2008/05/02

 20 


لله درك ولله در كلماتك التي تفيض عذوبة وألقا


حنان
ابلاغ
04:44 مساءً 2008/05/02



  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الأخــيــرة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية