للحدث معنى آخر..
د. مطلق سعود المطيري
الحياة الثقافية في زمن من الأزمان جزء من سياق الحياة في ذلك الزمن لا تتخلف عنه ولا تستبقه.. هذه حقيقة تؤكدها مجهودات غير عادية كانت تستهدف الدفع بالمعطيات الثقافية في فترة من الفترات، وفي بلد من البلدان ثم لم تجد تلك الجهود في شيء.. بلاد كثيرة عرفت خططاً ثقافية مطولة ومكثفة ومفصلة، عاقلة أو بالغة الحماس والاندفاع، ولم تستطع تلك الخطط أن تحقق شيئاً أكثر من كلام يثار حولها..
ليست المشكلة في أن شباباً حديثي التجربة، يعملون في أجهزة ثقافية ضمن مسؤولياتها تنشيط الحياة الثقافية، هم الذين يصوغون الخطط الثقافية لحياة ثقافية نشطة، فتأتي المفارقة حين يعلن الواقع الثقافي المعاش عن وجوده كتجربة أكبر من خبرة هؤلاء، خاصة حين يكون ذلك الواقع زاخراً برموز كبيرة من الرواد والأعلام والمؤسسين، فيكون السؤال القاسي: من يخطط لمن؟!.. أقول ليست المشكلة هنا تحديداً وإنما جوهر المشكلة في تصورنا أن الواقع الثقافي فعالية منفصلة مجريات الحياة ذاتها، وهو تصور يفتقد النظرة الكلية التي ترى "من فوق" أن التطور التنموي على الصعيد الاجتماعي - كما على الصعيد الاقتصادي والسياسي والمعرفي - هو الذي يدفع بضرورة لا مناص منها إلى استنهاض أشكال جديدة من التعبير هي التي تثري حركة الثقافة، وفي نطاق تلك النظرة الكلية تظهر خيوط قوية تربط الواقع الثقافي بمعطيات التعليم وبحركة التجارة وبالنشاط الصناعي وبالعلاقات الاجتماعية في تبدياتها الجديدة، وبالتالي فإن رغبة الدفع بالحياة الثقافية يجب أن تبدأ بنشاطات متعددة على تلك الأصعدة أولاً.. نشاطات هي تلقاء نفسها تدفع بالحياة الثقافية التي هي نشاد عفوي وتلقائي وفطري إلى آخر ذلك لا ينفصل عن ساق الحياة الشامل.
من تجارب التاريخ أظن أن نهضة الثقافة العربية في العصر العباسي مثلاً بدأت من نشاط حركة التجارة بين الجزيرة العربية وبين بلاد كالهند أو الصين برزت في خلالها حاجة ماسة إلى إجادة لغات الطرف الآخر في تلك التجارة طلباً للتفاهم، ثم أتاحت معرفة تلك اللغات فرصة الاطلاع على ثقافة الغير وأهمية اكتساب خبرات ومعارف جديدة، عقب ذلك حركة نشطة للترجمة لم تقتصر على ثقافة الهند والصين وفارس، وإنما توسلت بلغات وسيطة (كالسريانية) لمعرفة ثقافة أوروبا، خاصة الثقافة اليونانية..
الأمثلة كثيرة، منها حضارة كاملة مثل الحضارة الرومانية نشأت على أكتاف العبيد من اليونانيين الذين ترجموا الثقافة اليونانية إلى اللغة اللاتينية، ومنها النهضة الأوروبية التي بدأت بترجمة التراث اليوناني واللاتيني واستلهامه في أعمال جديدة.
أريد أن أخلص من كل هذا الكلام إلى نقطتين اثنتين:
الأولى زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله أواخر العام الماضي إلى الهند والصين.. لقد رآها المحللون والمعلقون على أنها فتح لآفاق جديدة من العلاقات السياسية والتبادل التجاري والتعاون الدولي، وهي كذلك بالفعل، ولكنني كنت أراها إلى جانب ذلك "فتح أفق جديد لإثراء الثقافة العربية" ولو بعد فترة زمنية قادمة حين ينشط الاطلاع على تلك الثقافة عبر حركة ترجمة نشطة..
والنقطة الثانية خاصة بجائزة خادم الحرمين الشريفين للترجمة.، والتي أظن أنها تكمل الهاجس لدى هذا القائد في نظرته الكلية شديدة الوعي، وبالتالي تبدو تلك الجائزة بالنسبة لي "تكريس لفتح ذلك الأفق الجديد" أمام الثقافة العربية.
ليس هدا مجرد رأي فردي، فها هو الدكتور أحمد فؤاد باشا الفائز بجائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للترجمة في مجال العلوم الطبيعية عن ترجمته لكتاب من الذرة للكوارك، في جريدة "الرياض" يوم الأحد الماضي يقول إن الجائزة قد: "جاءت لتلبي حاجة ملحة لدى الأمة العربية والإسلامية باعتبار الترجمة ضرورة حضارية في حوار الثقافات، فالأصل في الترجمة من لغة إلى أخرى هو النزوع الطبيعي عند الإنسان لتنمية ثقافته بالانفتاح على ثقافات الآخرين، وهذا ما فعله المسلمون في عصور الازدهار الأولى عندما ترجموا علوم السابقين وهو أيضاً ما فعلته أوروبا في عصر النهضة الحديثة عندما ترجمت علوم المسلمين وهو نفس الشيء الذي يسعى إليه كل من يحرص على اللحاق بموكب الحضارة الإنسانية".