لعل أقرب شبه لدولة إسرائيل، من حيث كيانها القانوني، قصر بناه أحد أمراء الحرب اللبنانية في منطقة البقاع. فقد استولى هذا الأخير عنوة على أربعة كيلومترات مربعة من أرض تابعة لأحد الأوقاف وأقام حولها سياجاً وبنى فيها قصراً. ولما راجعه القيّمون على الوقف، قال لهم إن عليهم أن يشكروا الله لأنه لم يستول على الأرض كلها.. فأرض الوقف المذكورة هذه أرض واسعة، واذا لم يقبلوا بما فعل، فما عليهم سوى مراجعة المحاكم. ومن باب رفع العتب عن النفس أقام هؤلاء دعوى على مغتصب الأرض مع علمهم الأكيد بأن القاضي المختص لن يجرؤ على السير بالدعوى واصدار حكم قضائي فيها في ظل الظروف القائمة وحتى لو صدر الحكم، فمن ينفذه؟ فشرعة الغاب، وإلى إشعار آخر، هي الشرعة الوحيدة النافذة.
إسرائيل تشبه قصر أمير الحرب هذا. في غفلة من أعين الرقيب على القانون الدولي، وفي ظروف معاناة الحقيقة للذل والهوان، تمكنت جماعات منتشرة في أماكن شتى من العالم، تدين بدين واحد وتدعي أن لها حقوقاً تاريخية قديمة في فلسطين، من الاستيلاء تباعاً على أكثر أراضي فلسطين، وبنت فيها بسبب قدراتها الاقتصادية وعطف الدول النافذة عليها، مدناً وقرى أقل ما يقال فيها إنها من أجمل المدن والقرى على الأرض. بإمكان المرء أن يشاهد هذه المدن والقرى بالعين المجردة من حدود لبنان الجنوبية المطلة على إسرائيل. يصاب المشاهد بالوحشة والحرقة والحسرة وهو يشاهد أبنية ومنشآت ليس كمثلها أبنية ومنشآت.
مئات الأبنية والمنشآت التي تتوازى وتتقاطع وتتجاور إلى جانب طرق نظيفة، وجنائن وبساتين مروية بنوافير مياه. دون أن ننسى بعض الأبنية الكبرى في هذه القرى والمدن، فإذا سألنا عنها قيل إنها عبارة عن منتديات رياضية أو ثقافية أو اجتماعية. فإذا عاد المرء من رحلة الكآبة، والحزن هذه، وصادف في طريق عودته إلى بيروت مخيم الرشيدية، ومخيم عين الحلوة، وأحياء أخرى من التنك يقيم فيها لاجئون فلسطينيون من قرى الجليل مازال قسم منهم يحتفظ بمفاتيح بيته إلى اليوم، فقد عقله.. حرامٌ على بلابله الدوح،حلالٌ للطير من كل جنس، كما يقول شوقي.
الشرعية الدولية لا تختلف أحياناً كثيرة عن الشرعية اللبنانيةالمحلية.. في الظاهر الشرعة الدولية موجودة وجود الشرعة المحلية، ولكن في الواقع تطبيق كل منهما تطبيق استنسابي.. فمن الممكن، على سبيل المثال، تطبيقها على الضعيف، ولكن يستحيل تطبيقها على المقتدر النافذ.. ومع أن العالم، بصورة عامة، ليس غاباً، إلا أن شرعة الغاب موجودة فيه بشكل أو بآخر، وهي موجودة فيه بقوة إذا تعلق الأمر بإسرائيل..عندها يصم العالم أذنيه عن أية فضيحة أو جريمة ترتكبها إسرائيل، في حين أنه شديد الحساسية والتنبه تجاه أي طلقة يطلقها فلسطيني مقيم في أحد المخيمات على إسرائيل.
إسرائيل، بنظرها، وبنظر النافذين في العالم، قامت وانتهى الأمر.. وكل محاولة لإزعاجها تؤلف عملاً إرهابياً. اغتصب أمير الحرب اللبناني وقفا يخص إحدى الطوائف وبنى فوق أرض الوقف قصراً ومجموعة بيوت بجانبه وطلب من القيّمين على الوقف مباركة ما فعل.. كذلك اغتصبت إسرائيل وقفاً دينياً يتمثل في أرض مباركة وأقامت فوقها مدناً وقرى ومؤسسات.. وقالت للشعب الذي اغتصبت أرضه: أنتم عرب ومسلمون وبلاد العرب والمسلمين واسعة تستطيعون أن تهاجروا إليها وأن تقيموا فيها، في حين أننا نحن اليهود ليس لنا أرض سوى أرض إسرائيل القديمة.. أنتم تعلمون أن أجدادنا مرّوا بهذه الأرض قبل ألفي سنة ثم نزحوا عنها.. ولكن الأرض مسجلة باسمنا في كتابنا المقدس، فما عليكم سوى التشرد في الأرض ألفي سنة أخرى، ولكن بعد الحصول على اعتراف كامل منكم بحقوقنا الشرعية فيها، وبتنازلكم عن أي حق لكم في فلسطين!
ما من مجال في الوقت الراهن لإصدار أحكام قطعية قابلة للتنفيذ لا في موضوع القصر الذي بني في منطقة بعلبك، ولا في موضوع المدن والقرى الإسرائيلية، أو اليهودية التي بُنيت، تماماً كما بُني القصر في أرض الغير.. أقل ما يقال في الموضوع ان الظروف الحالية غير مواتية.. فما من أحد يمكنه في هذين الشأن أن يقدم جرعة مقويات للحقيقة.. ولكن القيّمين على الوقفيءن: وقف لبنان، ووقف فلسطين، رغبوا بالاحتفاظ بحقوقهما، فقدموا أمام المحاكم دعاوى تطالب بالحقوق غير القابلة للتصرف أو للتنازل.. ولأن هذه الحقوق غير قابلة أيضاً لمرور الزمن عليها، إذا ما جرى تحريك المطالبة بها بين الوقت والآخر، فإن على المرء ألا ييأس من عملية انبلاج الفجر في يوم ما، طال أم قصر.. فا لأرض لابد أن تعود يوماً إلى أهلها، خاصة وأن هؤلاء الأهل يقيمون في جوارها، ويحلمون باستردادها، ولن يوقعوا صكاً بالتنازل عنها..